قوله تعالى:"و إذا قيل إن وعد الله حق والساعة لا ريب فيها قلتم ما ندري ما الساعة"إلخ ، المراد بالوعد الموعود وهو ما وعده الله بلسان رسله من البعث والجزاء فيكون قوله:"و الساعة لا ريب فيها"من عطف التفسير ، ويمكن أن يراد بالوعد المعنى المصدري.
وقولهم:"ما ندري ما الساعة"معناه أنه غير مفهوم لهم والحال أنهم أهل فهم ودراية فهو كناية عن كونه أمرا غير معقول ولو كان معقولا لدروه.
وقوله:"إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين"أي ليست مما نقطع به ونجزم بل نظن ظنا لا يسعنا أن نعتمد عليه ، ففي قولهم:"ما ندري ما الساعة"إلخ ، غب ما تليت عليهم من الآيات البينة أفحش المكابرة مع الحق.
قوله تعالى:"و بدا لهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزءون"إضافة السيئات إلى ما عملوا بيانية أو بمعنى من ، والمراد بما عملوا جنس ما عملوا أي ظهر لهم أعمالهم السيئة أو السيئات من أعمالهم فالآية في معنى قوله:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30.
فالآية من الآيات الدالة على تمثل الأعمال ، وقيل: إن في الكلام حذفا والتقدير: وبدا لهم جزاء سيئات ما عملوا.
وقوله:"و حاق بهم ما كانوا به يستهزءون"أي وحل بهم العذاب الذي كانوا يسخرون منه في الدنيا إذا أنذروا به بلسان الأنبياء والرسل.
قوله تعالى:"و قيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين"النسيان كناية عن الإعراض والترك فنسيانه تعالى لهم يوم القيامة إعراضه عنهم وتركه لهم في شدائده وأهواله ، ونسيانهم لقاء يومهم ذاك في الدنيا إعراضهم عن تذكره وتركهم التأهب للقائه ، والباقي ظاهر.
قوله تعالى:"ذلكم بأنكم اتخذتم آيات الله هزوا وغرتكم الحياة الدنيا"إلخ ، الإشارة بقوله:"ذلكم"إلى ما ذكر من عقابهم من ظهور السيئات وحلول العذاب والهزء السخرية التي يستهزأ بها والباء للسببية.
والمعنى: ذلكم العذاب الذي يحل بكم بسبب أنكم اتخذتم آيات الله سخرية تستهزءون بها وبسبب أنكم غرتكم الحياة الدنيا فأخلدتم إليها وتعلقتم بها.
وقوله:"فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون"صرف الخطاب عنهم إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ويتضمن الكلام خلاصة القول فيما يصيبهم من العذاب يومئذ وهو الخلود في النار وعدم قبول العذر منهم.
والاستعتاب طلب العتبى والاعتذار ، ونفي الاستعتاب كناية عن عدم قبول العذر.
قوله تعالى:"فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين"تحميد له تعالى بالتفريع على ما تقدم في السورة من كونه خالق السماوات والأرض وما بينهما والمدبر لأمر الجميع ومن بديع تدبيره خلق الجميع بالحق المستتبع ليوم الرجوع إليه والجزاء بالأعمال وهو المستدعي لجعل الشرائع التي تسوق إلى السعادة والثواب ويتعقبه الجمع ليوم الجمع ثم الجزاء واستقرار الجميع على الرحمة والعدل بإعطاء كل شيء ما يستحقه فلم يدبر إلا تدبيرا جميلا ولم يفعل إلا فعلا محمودا فله الحمد كله.
وقد كرر"الرب"فقال: رب السماوات ورب الأرض ثم أبدل منهما قوله:"رب العالمين"ليأتي بالتصريح بشمول الربوبية للجميع فلو جيء برب العالمين واكتفي به أمكن أن يتوهم أنه رب المجموع لكن للسماوات خاصة رب آخر وللأرض وحدها رب آخر كما ربما قال بمثله الوثنية ، وكذا لو اكتفي بالسماوات والأرض لم يكن صريحا في ربوبيته لغيرهما ، وكذا لو اكتفي بإحداهما.
قوله تعالى:"و له الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم"الكبرياء على ما عن الراغب: الترفع عن الانقياد ، وعن ابن الأثير: العظمة والملك وفي المجمع ، السلطان القاهر والعظمة القاهرة والعظمة والرفعة.
وهي على أي حال أبلغ معنى من الكبر وتستعمل في العظمة غير الحسية ومرجعه إلى كمال وجوده ولا تناهي كماله.
وقوله:"و له الكبرياء في السماوات والأرض"أي له الكبرياء في كل مكان فلا يتعالى عليه شيء فيهما ولا يستصغره شيء وتقديم الخبر في"له الكبرياء"يفيد الحصر كما في قوله:"فلله الحمد".
وقوله:"و هو العزيز الحكيم أي الغالب غير المغلوب فيما يريد من خلق وتدبير في الدنيا والآخرة والباني خلقه وتدبيره على الحكمة والإتقان."