قوله تعالى:"و إذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين"الحشر إخراج الشيء من مقره بإزعاج ، والمراد بعث الناس من قبورهم وسوقهم إلى المحشر يوم القيامة فيومئذ يعاديهم آلهتهم ويكفرون بشرك عبادهم بالتبري منهم كما قال تعالى:"و يوم القيامة يكفرون بشرككم": فاطر: 14 ، وقال حكاية عنهم:"تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون": القصص: 63 ، وقال:"فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين": يونس: 29.
وفي سياق الآيتين تلويح إلى أن هذه الجمادات التي لا تظهر لنا في هذه النشأة أن لها حياة لعدم ظهور آثارها سيظهر في النشأة الآخرة أن لها حياة وتظهر آثارها وقد تقدم بعض الكلام في هذا المعنى في ذيل قوله تعالى:"قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء": الم السجدة: 21.
قوله تعالى:"و إذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين"الآية والتي بعدها مسوقتان للتوبيخ ، والمراد بالآيات البينات آيات القرآن تتلى عليهم ، ثم بدلها من الحق الذي جاءهم حيث قال:"للحق لما جاءهم"- وكان مقتضى الظاهر أن يقال:"لها"للدلالة على أنها حق جاءهم لا مسوغ لرميها بأنها سحر مبين وهم يعلمون أنها حق مبين فهم متحكمون مكابرون للحق الصريح.
قوله تعالى:"أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا"إلخ ،"أم"منقطعة أي بل يقولون افترى القرآن على الله في دعواه أنه كلامه.
وقوله:"قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا"أي إن افتريت القرآن لأجلكم آخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب على الافتراء ولستم تقدرون على دفع عذابه عني فكيف أفتريه عليه لأجلكم ، والمحصل أني على يقين من أمر الله وأعلم أنه يأخذ المفترى عليه أو يعاجل في عقوبته وأنكم لا تقدرون على دفع ما يريده فكيف أفتري عليه فأعرض نفسي على عذابه المقطوع لأجلكم؟ أي لست بمفتر عليه.
ويتبين بذلك أن جزاء الشرط في قوله:"إن افتريته فلا تملكون لي"إلخ ، محذوف وقد أقيم مقامه ما يجري مجرى ارتفاع المانع ، والتقدير: إن افتريته آخذني بالعذاب أو عاجلني بالعذاب ولا مانع من قبلكم يمنع عنه ، وليس من قبيل وضع المسبب موضع السبب كما قيل.
وقوله:"هو أعلم بما تفيضون فيه"الإفاضة في الحديث الخوض فيه و"ما"موصولة يرجع إليه ضمير"فيه"أو مصدرية ومرجع الضمير هو القرآن ، والمعنى: الله سبحانه أعلم بالذي تخوضون فيه من التكذيب برمي القرآن بالسحر والافتراء على الله أو المعنى: هو أعلم بخوضكم في القرآن.
وقوله:"كفى به شهيدا بيني وبينكم"احتجاج ثان على نفي الافتراء وأول الاحتجاجين قوله:"إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا"وقد تقدم بيانه آنفا ، ومعنى الجملة: أن شهادة الله سبحانه في كلامه بأنه كلامه وليس افتراء مني يكفي في نفي كوني مفتريا به عليه ، وقد صدق سبحانه هذه الدعوى بقوله:"لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه": النساء: 166 ، وما في معناه من الآيات ، وأما أنه كلامه فيكفي في ثبوته آيات التحدي.
وقوله:"و هو الغفور الرحيم"تذييل الآية بالاسمين الكريمين للاحتجاج على نفي ما يتضمنه تحكمهم الباطل من نفي الرسالة كأنه قيل: إن قولكم:"افتراه"يتضمن دعويين: دعوى عدم كون هذا القرآن من كلام الله ودعوى بطلان الرسالة - والوثنيون ينفونها مطلقا - أما الدعوى الأولى فيدفعه أولا: أنه إن افتريته فلا تملكون ، إلخ ، وثانيا: أن الله يكفيني شهيدا على كونه كلامه لا كلامي.
وأما الدعوى الثانية فيدفعها أن الله سبحانه غفور رحيم ، ومن الواجب في حكمته أن يعامل خلقه بالمغفرة والرحمة ولا تشملان إلا التائبين الراجعين إليه الصالحين لذلك وذلك بأن يهديهم إلى صراط يقربهم منه سلوكه فتشملهم مغفرته ورحمته بحط السيئات والاستقرار في دار السعادة الخالدة ، وكونه واجبا في حكمته لأن فيهم صلاحية هذا الكمال وهو الجواد الكريم ، قال تعالى:"و ما كان عطاء ربك محظورا": إسراء: 20 ، وقال:"و على الله قصد السبيل": النحل: 9 ، والسبيل إلى هذه الهداية هي الدعوة من طريق الرسالة فمن الواجب في الحكمة أن يرسل إلى الناس رسولا يدعوهم إلى سبيله الموصلة إلى مغفرته ورحمته.