فهرس الكتاب

الصفحة 3759 من 4314

قوله تعالى:"قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدري ما يفعل بي ولا بكم"إلخ ، البدع ما كان غير مسبوق بالمثل من حيث صفاته أو من حيث أقواله وأفعاله ولذا فسره بعضهم بأن المعنى: ما كنت أول رسول أرسل إليكم لا رسول قبلي ، وقيل: المعنى: ما كنت مبدعا في أقوالي وأفعالي لم يسبقني إليها أحد من الرسل.

والمعنى الأول لا يلائم السياق ولا قوله المتقدم:"و هو الغفور الرحيم"بالمعنى الذي تقدم توجيهه فثاني المعنيين هو الأنسب ، وعليه فالمعنى: لست أخالف الرسل السابقين في صورة أو سيرة وفي قول أو فعل بل أنا بشر مثلهم في من آثار البشرية ما فيهم وسبيلهم في الحياة سبيلي.

وبهذه الجملة يجاب عن مثل ما حكاه الله من قولهم:"ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لو لا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها": الفرقان: 8.

وقوله:"و ما أدري ما يفعل بي ولا بكم"نفي لعلم الغيب عن نفسه فهو نظير قوله:"و لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء": الأعراف: 188 ، والفرق بين الآيتين أن قوله:"و لو كنت أعلم الغيب"إلخ ، نفي للعلم بمطلق الغيب واستشهاد له بمس السوء وعدم الاستكثار من الخير ، وقوله:"و ما أدري ما يفعل بي ولا بكم"نفي للعلم بغيب خاص وهو ما يفعل به وبهم من الحوادث التي يواجهونها جميعا ، وذلك أنهم كانوا يزعمون أن المتلبس بالنبوة لو كان هناك نبي يجب أن يكون عالما في نفسه بالغيوب ذا قدرة مطلقة غيبية كما يظهر من اقتراحاتهم المحكية في القرآن فأمر (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يعترف - مصرحا به - أنه لا يدري ما يفعل به ولا بهم فينفي عن نفسه العلم بالغيب ، وأن ما يجري عليه وعليهم من الحوادث خارج عن إرادته واختياره وليس له في شيء منها صنع بل يفعله به وبهم غيره وهو الله سبحانه.

فقوله:"و ما أدري ما يفعل بي ولا بكم"كما ينفي عنه العلم بالغيب ينفي عنه القدرة على شيء مما يصيبه ويصيبهم مما هو تحت أستار الغيب.

ونفي الآية العلم بالغيب عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) لا ينافي علمه بالغيب من طريق الوحي كما يصرح تعالى به في مواضع من كلامه كقوله:"ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك": آل عمران: 44 ، يوسف: 102 ، وقوله:"تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك": هود: 49 ، وقوله:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول": الجن: 27 ومن هذا الباب قول المسيح (عليه السلام) :"و أنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم": آل عمران: 49 ، وقول يوسف (عليه السلام) لصاحبي السجن:"لا يأتيكما طعام ترزقانه إلا نبأتكما بتأويله قبل أن يأتيكما": يوسف: 37.

وجه عدم المنافاة أن الآيات النافية للعلم بالغيب عنه وعن سائر الأنبياء (عليهم السلام) إنما تنفيه عن طبيعتهم البشرية بمعنى أن تكون لهم طبيعة بشرية أو طبيعة هي أعلى من طبيعة البشر من خاصتها العلم بالغيب بحيث يستعمله في جلب كل نفع ودفع كل شر كما نستعمل ما يحصل لنا من طريق الأسباب وهذا لا ينافي انكشاف الغيب لهم بتعليم إلهي من طريق الوحي كما أن إتيانهم بالمعجزات فيما أتوا بها ليس عن قدرة نفسية فيهم يملكونها لأنفسهم بل بإذن من الله تعالى وأمر ، قال تعالى:"قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا": الإسراء: 93 ، جوابا عما اقترحوا عليه من الآيات ، وقال:"قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين": العنكبوت: 50 ، وقال:"و ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله فإذا جاء أمر الله قضي بالحق": المؤمن: 78.

ويشهد بذلك قوله بعده متصلا به:"إن أتبع إلا ما يوحى إلي"فإن اتصاله بما قبله يعطي أنه في موضع الإضراب ، والمعنى: أني ما أدري شيئا من هذه الحوادث بالغيب من قبل نفسي وإنما أتبع ما يوحى إلي من ذلك.

وقوله:"و ما أنا إلا نذير مبين"تأكيد لجميع ما تقدم في الآية من قوله:"ما كنت بدعا"إلخ ، و"و ما أدري"إلخ ، وقوله:"إن أتبع"إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت