قوله تعالى:"و الذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم"المقابلة الظاهرة بين الآية وبين الآية السابقة يعطي أن المراد بالاهتداء ما يقابل الضلال الملازم للطبع على القلب وهو التسليم لما تهدي إليه الفطرة السليمة واتباع الحق ، وزيادة هداهم من الله سبحانه رفعه تعالى درجة إيمانهم ، وقد تقدم أن الهدى والإيمان ذو مراتب مختلفة ، والمراد بالتقوى ما يقابل اتباع الأهواء وهو الورع عن محارم الله والتجنب عن ارتكاب المعاصي.
وبذلك يظهر أن زيادة الهدى راجع إلى تكميلهم في ناحية العلم وإيتاء التقوى إلى تكميلهم في ناحية العمل ، ويظهر أيضا بالمقابلة أن الطبع على القلوب راجع إلى فقدانهم كمال العلم واتباع الأهواء راجع إلى فقدانهم العمل الصالح وحرمانهم منه وهذا لا ينافي ما قدمنا أن اتباع الأهواء كعطف التفسير بالنسبة إلى الطبع على القلوب.
قوله تعالى:"فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراطها"إلخ ، النظر هو الانتظار ، والأشراط جمع شرط بمعنى العلامة ، والأصل في معناه الشرط بمعنى ما يتوقف عليه وجود الشيء لأن تحققه علامة تحقق الشيء فأشراط الساعة علاماتها الدالة عليها.
وسياق الآية سياق التهكم كأنهم واقفون موقفا عليهم إما أن يتبعوا الحق فتسعد بذلك عاقبتهم ، وإما أن ينتظروا الساعة حتى إذا أيقنوا بوقوعها وأشرفوا عليها تذكروا وآمنوا واتبعوا الحق أما اتباع الحق اليوم فلم يخضعوا له بحجة أو بموعظة أو عبرة ، وأما انتظارهم مجيء الساعة ليتذكروا عنده فلا ينفعهم شيئا فإنها تجيء بغتة ولا تمهلهم شيئا حتى يستعدوا لها بالذكرى وإذا وقعت لم ينفعهم الذكرى لأن اليوم يوم جزاء لا يوم عمل قال تعالى:"يومئذ يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى يقول يا ليتني قدمت لحياتي": الفجر: 24.
مضافا إلى أن أشراطها وعلاماتها قد جاءت وتحققت ، ولعل المراد بأشراطها خلق الإنسان وانقسام نوعه إلى صلحاء ومفسدين ومتقين وفجار المستدعي للحكم الفصل بينهم ونزول الموت عليهم فإن ذلك كله من شرائط وقوع الواقعة وإتيان الساعة ، وقيل: المراد بأشراط الساعة ظهور النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وهو خاتم الأنبياء وانشقاق القمر ونزول القرآن وهو آخر الكتب السماوية.
هذا ما يعطيه التدبر في الآية من المعنى وهي - كما ترى - حجة برهانية في عين أنها مسوقة سوق التهكم.
وعليه فقوله:"بغتة"حال من الإتيان جيء به لبيان الواقع وليتفرع عليه قوله الآتي:"فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم"وليس قيدا للانتظار حتى يفيد أنهم إنما ينتظرون إتيانها بغتة ، ولدفع هذا التوهم قيل:"إلا الساعة أن تأتيهم بغتة"ولم يقل: إلا أن تأتيهم الساعة بغتة.
وقوله:"فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم"أنى خبر مقدم و"ذكراهم"مبتدأ مؤخر و"إذا جاءتهم"معترضة بينهما ، والمعنى: فكيف يكون لهم أن يتذكروا إذا جاءتهم؟ أي كيف ينتفعون بالذكرى في يوم لا ينفع العمل الذي يعمل فيه وإنما هو يوم الجزاء.
وللقوم في معنى جمل الآية ومعناها بالجملة أقوال مختلفة تركنا إيرادها من أرادها فليراجع كتبهم المفصلة.
قوله تعالى:"فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات"إلخ ، قيل: هو متفرع على جميع ما تقدم في السورة من سعادة المؤمنين وشقاوة الكفار كأنه قيل: إذا علمت أن الأمر كما ذكر من سعادة هؤلاء وشقاوة أولئك فاثبت على ما أنت عليه من العلم بوحدانية الله سبحانه فمعنى الأمر بالعلم على هذا هو الأمر بالثبات على العلم.
ويمكن أن يكون تفريعا على ما بينه في الآيتين السابقتين أعني قوله:"و منهم من يستمع إليك - إلى قوله - وآتاهم تقواهم"من أنه تعالى يطبع على قلوب المشركين ويتركهم وذنوبهم ويعكس الأمر في الذين اهتدوا إلى توحيده والإيمان به فكأنه قيل: إذا كان الأمر على ذلك فاستمسك بعلمك بوحدانية الإله واطلب مغفرة ذنبك ومغفرة أمتك من المؤمنين بك والمؤمنات حتى لا تكون ممن يطبع الله على قلبه ويحرمه التقوى بتركه وذنوبه ، ويؤيد هذا الوجه قوله في ذيل الآية:"و الله يعلم متقلبكم ومثواكم".