فقوله:"فاعلم أنه لا إله إلا الله"معناه على ما يؤيده السياق فاستمسك بعلمك أنه لا إله إلا الله ، وقوله:"و استغفر لذنبك"تقدم الكلام في معنى الذنب المنسوب إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) وسيأتي أيضا في تفسير أول سورة الفتح إن شاء الله تعالى.
وقوله:"و للمؤمنين والمؤمنات"أمر بطلب المغفرة للأمة من المؤمنين والمؤمنات وحاشا أن يأمر تعالى بالاستغفار ولا يواجهه بالمغفرة أو بالدعاء ولا يقابله بالاستجابة.
وقوله:"و الله يعلم متقلبكم ومثواكم"تعليل لما في صدر الآية:"فاعلم أنه"إلخ ، والظاهر أن المتقلب مصدر ميمي بمعنى الانتقال من حال إلى حال ، وكذلك المثوى بمعنى الاستقرار والسكون ، والمراد أنه تعالى يعلم كل أحوالكم من متغير وثابت وحركة وسكون فاثبتوا على توحيده واطلبوا مغفرته ، واحذروا أن يطبع على قلوبكم ويترككم وأهواءكم.
وقيل: المراد بالمتقلب والمثوى التصرف في الحياة الدنيا والاستقرار في الآخرة وقيل: المتقلب هو التقلب من الأصلاب إلى الأرحام والمثوى السكون في الأرض.
وقيل: المتقلب التصرف في اليقظة والمثوى المنام ، وقيل: المتقلب التصرف في المعايش والمكاسب والمثوى الاستقرار في المنازل ، وما قدمناه أظهر وأعم.
قوله تعالى:"و يقول الذين آمنوا لو لا نزلت سورة"إلى آخر الآية ، لو لا تحضيضية أي هلا أنزلت سورة يظهرون بها الرغبة في نزول سورة جديدة تأتيهم بتكاليف جديدة يمتثلونها ، والمراد بالسورة المحكمة المبينة التي لا تشابه فيها ، والمراد بذكر القتال الأمر به.
والمراد بالذين في قلوبهم مرض ، الضعفاء الإيمان من المؤمنين دون المنافقين فإن الآية صريحة في أن الذين أظهروا الرغبة في نزولها هم الذين آمنوا ، ولا يعم الذين آمنوا للمنافقين إلا على طريق المساهلة غير اللائقة بكلام الله تعالى فالآية كقوله تعالى في فريق من المؤمنين:"أ لم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية": النساء: 77.
والمغشي عليه من الموت هو المحتضر ، يقال: غشيه غشاوة إذا ستره وغطاه وغشي على فلان - بالبناء - للمفعول - إذا نابه ما غشي فهمه ، ونظر المغشي عليه من الموت إشخاصه ببصره إليك من غير أن يطرف.
وقوله:"فأولى لهم"لعله خبر لمبتدإ محذوف ، والتقدير: أولى لهم ذلك أي حري بهم أن ينظروا كذلك أي أن يحتضروا فيموتوا ، وعن الأصمعي أن قولهم:"أولى لك"كلمة تهديد معناه وليك وقارنك ما تكره ، والآية نظيرة قوله تعالى:"أولى لك فأولى ثم أولى لك فأولى": القيامة: 35.
ومعنى الآية: ويقول الذين آمنوا هلا أنزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة لا تشابه فيها وأمروا فيها بالقتال والجهاد رأيت الضعفاء الإيمان منهم ينظرون إليك من شدة الخشية نظر المحتضر فأولى لهم ذلك.
قوله تعالى:"طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم"عزم الأمر أي جد وتنجز.
وقوله:"طاعة وقول معروف"كأنه خبر لمبتدإ محذوف والتقدير أمرنا - أو أمرهم وشأنهم - أي إيمانهم بنا طاعة واثقونا عليها وقول معروف غير منكر قالوا لنا وهو إظهار السمع والطاعة كما يحكيه تعالى عنهم بقوله:"آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون - إلى أن قال - وقالوا سمعنا وأطعنا": البقرة: 285.
وعلى هذا يتصل قوله بعده:"فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم"بما قبله اتصالا بينا ، والمعنى: أن الأمر هو ما واثقوا الله عليه من قولهم: سمعنا وأطعنا فلو أنهم حين عزم الأمر صدقوا الله فيما قالوا وأطاعوه فيما يأمر به ومنه أمر القتال لكان خيرا لهم.
ويحتمل أن يكون قوله:"طاعة"إلخ ، خبرا لضمير عائد إلى القتال المذكور والتقدير القتال المذكور في السورة طاعة منهم وقول معروف فلو أنهم حين عزم الأمر صدقوا الله في إيمانهم وأطاعوه به لكان خيرا لهم.
أما كونه طاعة منهم فظاهر ، وأما كونه قولا معروفا فلأن إيجاب القتال والأمر بالدفاع عن المجتمع الصالح لإبطال كيد أعدائه قول معروف يعرفه العقل والعقلاء.