فهرس الكتاب

الصفحة 3784 من 4314

و قيل: إن قوله:"طاعة"إلخ ، مبتدأ الخبر والتقدير طاعة وقول معروف خير لهم وأمثل ، وقيل: مبتدأ خبره"فأولى لهم"في الآية السابقة فالآية من تمام الآية السابقة ، وهو قول ردي ، وأردأ منه ما قيل: إن"طاعة"إلخ ، صفة لسورة في قوله:"فإذا أنزلت سورة"وقيل غير ذلك.

قوله تعالى:"فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم"الخطاب للذين في قلوبهم مرض المتثاقلين في أمر الجهاد في سبيل الله ، وقد التفت إليهم بالخطاب لزيادة التوبيخ والتقريع ، والاستفهام للتقرير ، والتولي الإعراض والمراد به الإعراض عن كتاب الله والعمل بما فيه والعود إلى الشرك ورفض الدين.

والمعنى: فهل يتوقع منكم أن أعرضتم عن كتاب الله والعمل بما فيه ومنه الجهاد في سبيل الله أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم بسفك الدماء ونهب الأموال وهتك الأعراض تكالبا على جيفة الدنيا أي إن توليتم كان المتوقع منكم ذلك.

وقد ظهر بذلك أن الآية في مقام التعليل لقوله في الآية السابقة:"لكان خيرا لهم"ولذا صدر بالفاء.

وقيل: المراد بالتولي التصدي للحكم والولاية ، والمعنى: هل يتوقع منكم إن جعلتم ولاة أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم بسفك الدماء الحرام وأخذ الرشاء والجور في الحكم هذا ، وهو معنى بعيد عن السياق.

قوله تعالى:"أولئك الذين لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم"الإشارة إلى المفسدين في الأرض المقطعين للأرحام وقد وصفهم الله بأنه لعنهم فأصمهم وأذهب بسمعهم فلا يسمعون القول الحق وأعمى أبصارهم فلا يرون الرأي الحق فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور.

قوله تعالى:"أ فلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها"الاستفهام للتوبيخ وضمير الجمع راجع إلى المذكورين في الآية السابقة ، وتنكير"قلوب"كما قيل للدلالة على أن المراد قلوب هؤلاء وأمثالهم.

قال في مجمع البيان ،: وفي هذا دلالة على بطلان قول من قال: لا يجوز تفسير شيء من ظاهر القرآن إلا بخبر وسمع.

انتهى.

قوله تعالى:"إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم"الارتداد على الأدبار الرجوع إلى الاستدبار بعد الاستقبال وهو استعارة أريد بها الترك بعد الأخذ ، والتسويل تزيين ما تحرض النفس عليه وتصوير القبيح لها في صورة الحسن ، والمراد بالإملاء الأمداد أو تطويل الآمال.

قوله تعالى:"ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم أسرارهم"الإشارة بذلك إلى تسويل الشيطان وإملائه وبالجملة تسلطه عليهم ، والمراد"بالذين كرهوا ما نزل الله"هم الذين كفروا كما تقدم في قوله:"و الذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله": الآية: 9 من السورة.

وقوله:"سنطيعكم في بعض الأمر"مقول قولهم ووعد منهم للكفار بالطاعة وهو كما يلوح من تقييد الطاعة ببعض الأمر على نحو الإجمال كلام من لا يقدر على التظاهر بطاعة من يريد طاعته في جميع الأمور لكونه على خطر من التظاهر بالطاعة المطلقة فيسر إلى من يعده أنه سيطيعه في بعض الأمر وفيما تيسر له ذلك ثم يكتم ذلك ويقعد متربصا للدوائر.

ويستفاد من ذلك أن هؤلاء كانوا قوما من المنافقين أسروا إلى الكفار ما حكاه تعالى عنهم ووعدهم الطاعة لهم مهما تيسر لهم ذلك ، ويؤيد ذلك قوله تعالى بعد:"و الله يعلم أسرارهم".

واختلفوا في هؤلاء من هم؟ فقيل: هم اليهود قالوا للمنافقين: إن أعلنتم الكفر نصرناكم ، وقيل: هم اليهود أو اليهود والمنافقون قالوا ذلك للمشركين.

ويرد على الوجهين جميعا أن موضوع الكلام في الآية المرتدون بعد إيمانهم واليهود لم يؤمنوا حتى يرتدوا.

وقيل: هم المنافقون وعدوا اليهود النصر كما قال تعالى:"أ لم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم": الحشر: 11.

وفيه أن الآية تقبل الانطباق على ذلك كما تقبل الانطباق على اليهود في وعدهم النصر للمشركين على تكلف في صدق الارتداد على كفرهم برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد تبين رسالته لهم لكن لا دليل من طريق لفظ الآية على ذلك فلعلهم قوم من المنافقين غيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت