قوله تعالى:"فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم"متفرع على ما قبله ، والمعنى: هذا حالهم اليوم يرتدون بعد تبين الهدى لهم فيفعلون ما يشاءون فكيف حالهم إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبارهم.
قوله تعالى:"ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم"الظاهر أن المراد بما أسخط الله أهواء النفس وتسويلات الشيطان المستتبعة للمعاصي والذنوب الموبقة كما قال تعالى:"و اتبعوا أهواءهم"، وقال:"الشيطان سول لهم وأملى لهم".
والسخط والرضا من صفاته تعالى الفعلية والمراد بهما العقاب والثواب.
والإشارة في قوله:"ذلك"إلى ما ذكر في الآية السابقة من عذاب الملائكة لهم عند توفيهم أي سبب عقابهم أن أعمالهم حابطة لاتباعهم ما أسخط الله وكراهتهم رضوانه ، وإذ لا عمل لهم صالحا يشقون بالعذاب.
قوله تعالى:"أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم"قال الراغب: الضغن - بكسر الضاد - والضغن - بضمها - الحقد الشديد وجمعه أضغان انتهى.
والمراد بالذين في قلوبهم مرض الضعفاء الإيمان ولعلهم الذين آمنوا أولا على ضعف في إيمانهم ثم مالوا إلى النفاق وارتدوا بعد الإيمان ، فالتدبر الدقيق في تاريخ صدر الإسلام يوضح أن قوما ممن آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كانوا على هذه الصفة كما أن قوما منهم آخرين كانوا منافقين من أول يوم آمنوا إلى آخر عمرهم ، وعلى هذا فعدهم من المؤمنين فيما تقدم بملاحظة بادىء أمرهم.
والمعنى: بل ظن هؤلاء المنافقون الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله ولن يظهر أحقادهم للدين وأهله.
قوله تعالى:"و لو نشاء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم"السيماء العلامة ، والمعنى: ولو نشاء لأريناك أولئك المرضى القلوب فلعرفتهم بعلامتهم التي أعلمناهم بها.
وقوله:"و لتعرفنهم في لحن القول"قال الراغب: اللحن صرف الكلام عن سننه الجاري عليه: إما بإزالة الإعراب أو التصحيف وهو المذموم ، وذلك أكثر استعمالا ، وأما بإزالته عن التصريح وصرفه إلى تعريض وفحوى ، وهو محمود عند أكثر الأدباء من حيث البلاغة.
انتهى.
فالمعنى: ولتعرفنهم من جنس قولهم بما يشتمل عليه من الكناية والتعريض ، وفي جعل لحن القول ظرفا للمعرفة نوع من العناية المجازية.
وقوله:"و الله يعلم أعمالكم"أي يعلم حقائقها وأنها من أي القصود والنيات صدرت فيجازي المؤمنين بصالح أعمالهم وغيرهم بغيرها ، ففيه وعد للمؤمنين ووعيد لغيرهم.
قوله تعالى:"و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم"البلاء والابتلاء الامتحان والاختبار ، والآية بيان علة كتابة القتال على المؤمنين ، وهو الاختبار الإلهي ليمتاز به المجاهدون في سبيل الله الصابرون على مشاق التكاليف الإلهية.
وقوله:"و نبلوا أخباركم"كان المراد بالأخبار الأعمال من حيث إنها تصدر عن العاملين فيكون إخبارا لهم يخبر بها عنهم ، واختبار الأعمال يمتاز به صالحها من طالحها كما أن اختبار النفوس يمتاز به النفوس الصالحة الخيرة وقد تقدم فيما تقدم أن المراد بالعلم الحاصل له تعالى من امتحان عباده هو ظهور حال العباد بذلك ، وبنظر أدق هو علم فعلي له تعالى خارج عن الذات.
قوله تعالى:"إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم"المراد بهؤلاء رؤساء الضلال من كفار مكة ومن يلحق بهم لأنهم الذين صدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول وعادوه أشد المعاداة بعد ما تبين لهم الهدى.
وقوله:"لن يضروا الله شيئا"لأن كيد الإنسان ومكره لا يرجع إلا إلى نفسه ولا يضر إلا إياه وقوله:"و سيحبط أعمالهم"أي مساعيهم لهدم أساس الدين وما عملوه لإطفاء نور الله ، وقيل: المراد إحباط أعمالهم وإبطالها فلا يثابون في الآخرة على شيء من أعمالهم ، والمعنى الأول أنسب للسياق لأن فيه تحريض المؤمنين وتشجيعهم على قتال المشركين وتطييب نفوسهم أنهم هم الغالبون كما تفيده الآيات التالية.