و هذا من أوضح الفتح رزقه الله نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وكان من أمس الأسباب بفتح مكة سنة ثمان من الهجرة فقد آمن جمع كثير من المشركين في السنتين بين الصلح وفتح مكة ، وفتح في أوائل سنة سبع خيبر وما والاه وقوي به المسلمون واتسع الإسلام اتساعا بينا وكثر جمعهم وانتشر صيتهم وأشغلوا بلادا كثيرة ، وخرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لفتح مكة في عشرة آلاف أو في اثني عشر ألفا ، وقد كان خرج إلى حديبية في ألف وأربعمائة على ما تفصله الآثار.
وقيل: المراد بالفتح فتح مكة فالمراد بقوله:"إنا فتحنا لك"إنا قضينا لك فتح مكة ، وفيه أن القرائن لا تساعده.
وقيل: المراد به فتح خيبر ، ومعناه - على تقدير نزول السورة عند مرجع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الحديبية إلى المدينة - أنا قضينا لك فتح خيبر ، وحال هذا القول أيضا كسابقه.
وقيل: المراد به الفتح المعنوي وهو الظفر على الأعداء بالحجج البينة والمعجزات الباهرة التي غلب بها كلمة الحق على الباطل وظهر الإسلام على الدين كله ، وهذا الوجه وإن كان في نفسه لا بأس به لكن سياق الآيات لا يلائمه.
قوله تعالى:"ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا"اللام في قوله:"ليغفر"للتعليل على ما هو ظاهر اللفظ فظاهره أن الغرض من هذا الفتح المبين هو مغفرة ما تقدم من ذنبك وما تأخر ، ومن المعلوم أن لا رابطة بين الفتح وبين مغفرة الذنب ولا معنى معقولا لتعليله بالمغفرة.
وقول بعضهم فرارا عن الإشكال: أن اللام المكسورة في"ليغفر"لام القسم والأصل ليغفرن حذفت نون التوكيد وبقي ما قبلها مفتوحا للدلالة على المحذوف غلط لا شاهد عليه من الاستعمال.
وكذا قول بعض آخر فرارا عن الإشكال:"أن العلة هو مجموع المغفرة وما عطف عليه من إتمام النعمة والهداية والنصر العزيز من حيث المجموع فلا ينافي عدم كون البعض أي مغفرة الذنب في نفسه علة للفتح"كلام سخيف لا يغني طائلا فإن مغفرة الذنب لا هي علة أو جزء علة للفتح ولا مرتبطة نوع ارتباط بما عطف عليها حتى يوجه دخولها في ضمن علله فلا مصحح لذكرها وحدها ولا مع العلل وفي ضمنها.
وبالجملة هذا الإشكال نعم الشاهد على أن ليس المراد بالذنب في الآية هو الذنب المعروف وهو مخالفة التكليف المولوي ، ولا المراد بالمغفرة معناها المعروف وهو ترك العقاب على المخالفة المذكورة فالذنب في اللغة على ما يستفاد من موارد استعمالاته هو العمل الذي له تبعة سيئة كيفما كان ، والمغفرة هي الستر على الشيء ، وأما المعنيان المذكوران المتبادران من لفظي الذنب والمغفرة إلى أذهاننا اليوم أعني مخالفة الأمر المولوي المستتبع للعقاب وترك العقاب عليها فإنما لزماهما بحسب عرف المتشرعين.
وقيام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالدعوة ونهضته على الكفر والوثنية فيما تقدم على الهجرة وإدامته ذلك وما وقع له من الحروب والمغازي مع الكفار والمشركين فيما تأخر عن الهجرة كان عملا منه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذا تبعة سيئة عند الكفار والمشركين وما كانوا ليغفروا له ذلك ما كانت لهم شوكة ومقدرة ، وما كانوا لينسوا زهوق ملتهم وانهدام سنتهم وطريقتهم ، ولا ثارات من قتل من صناديدهم دون أن يشفوا غليل صدورهم بالانتقام منه وإمحاء اسمه وإعفاء رسمه غير أن الله سبحانه رزقه (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الفتح وهو فتح مكة أو فتح الحديبية المنتهي إلى فتح مكة فذهب بشوكتهم وأخمد نارهم فستر بذلك عليه ما كان لهم عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الذنب وآمنه منهم.
فالمراد بالذنب - والله أعلم - التبعة السيئة التي لدعوته (صلى الله عليه وآله وسلم) عند الكفار والمشركين وهو ذنب لهم عليه كما في قول موسى لربه:"و لهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون": الشعراء: 14 ، وما تقدم من ذنبه هو ما كان منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمكة قبل الهجرة ، وما تأخر من ذنبه هو ما كان منه بعد الهجرة ، ومغفرته تعالى لذنبه هي سترة عليه بإبطال تبعته بإذهاب شوكتهم وهدم بنيتهم ، ويؤيد ذلك ما يتلوه من قوله:"و يتم نعمته عليك - إلى أن قال - وينصرك الله نصرا عزيزا".