فهرس الكتاب

الصفحة 3793 من 4314

و في قوله:"ليغفر لك الله"إلخ ، بعد قوله:"إنا فتحنا لك"التفات من التكلم إلى الغيبة ولعل الوجه فيه أن محصل السورة امتنانه تعالى على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمؤمنين بما رزق من الفتح وإنزال السكينة والنصر وسائر ما وعدهم فيها فناسب أن يكون السياق الجاري في السورة سياق الغيبة ويذكر تعالى فيها باسمه وينسب إليه النصر بما يعبده نبيه والمؤمنون وحده قبال ما لا يعبده المشركون وإنما يعبدون آلهة من دونه طمعا في نصرهم ولا ينصرونهم.

وأما سياق التكلم مع الغير المشعر بالعظمة في الآية الأولى فلمناسبته ذكر الفتح فيها ويجري الكلام في قوله تعالى الآتي:"إنا أرسلناك شاهدا"الآية.

وقوله:"و يتم نعمته عليك"قيل: أي يتمها عليك في الدنيا بإظهارك على عدوك وإعلاء أمرك وتمكين دينك ، وفي الآخرة برفع درجتك ، وقيل: أي يتمها عليك بفتح خيبر ومكة والطائف.

وقوله:"و يهديك صراطا مستقيما"قيل: أي ويثبتك على صراط يؤدي بسالكه إلى الجنة ، وقيل: أي ويهديك إلى مستقيم الصراط في تبليغ الأحكام وإجراء الحدود.

وقوله:"و ينصرك الله نصرا عزيزا"قيل: النصر العزيز هو ما يمتنع به من كل جبار عنيد وعات مريد ، وقد فعل بنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك إذ جعل دينه أعز الأديان وسلطانه أعظم السلطان ، وقيل: المراد بالنصر العزيز ما هو نادر الوجود قليل النظير أو عديمه ونصره تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) كذلك كما يظهر بقياس حاله في أول بعثته إلى حاله في آخر أيام دعوته.

والتدبر في سياق الآيتين بالبناء على ما تقدم من معنى قوله:"إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر"يعطي أن يكون المراد بقوله:"و يتم نعمته عليك"هو تمهيده تعالى له (صلى الله عليه وآله وسلم) لتمام الكلمة وتصفيته الجو لنصره نصرا عزيزا بعد رفع الموانع بمغفرة ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

وبقوله:"و يهديك صراطا مستقيما"هدايته (صلى الله عليه وآله وسلم) بعد تصفية الجو له إلى الطريق الموصل إلى الغاية الذي سلكه بعد الرجوع من الحديبية من فتح خيبر وبسط سلطة الدين في أقطار الجزيرة حتى انتهى إلى فتح مكة والطائف.

وبقوله:"و ينصرك الله نصرا عزيزا"نصره له (صلى الله عليه وآله وسلم) ذاك النصر الظاهر الباهر الذي قلما يوجد - أو لا يوجد - له نظير إذ فتح له مكة والطائف وانبسط الإسلام في أرض الجزيرة وانقلع الشرك وذل اليهود وخضع له نصارى الجزيرة والمجوس القاطنون بها ، وأكمل تعالى للناس دينهم وأتم عليهم نعمته ورضي لهم الإسلام دينا.

قوله تعالى:"هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم"إلخ ، الظاهر أن المراد بالسكينة سكون النفس وثباتها واطمئنانها إلى ما آمنت به ، ولذا علل إنزالها فيها بقوله:"ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم"وقد تقدم البحث عن السكينة في ذيل قوله تعالى:"أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم": البقرة: 248 في الجزء الثاني من الكتاب وذكرنا هناك أنها تنطبق على روح الإيمان المذكور في قوله تعالى:"و أيدهم بروح منه": المجادلة: 22.

وقيل: السكينة هي الرحمة ، وقيل: العقل ، وقيل: الوقار والعصمة لله ولرسوله ، وقيل: الميل إلى ما جاء به الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وقيل: ملك يسكن قلب المؤمن ، وقيل: شيء له رأس كرأس الهرة ، وهذه الأقاويل لا دليل على شيء منها.

والمراد بإنزال السكينة في قلوبهم إيجادها فيها بعد عدمها فكثيرا ما يعبر في القرآن عن الخلق والإيجاد بالإنزال كقوله:"و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6 ، وقوله:"و أنزلنا الحديد": الحديد: 25 ، وقوله:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21.

وإنما عبر عن الخلق والإيجاد بالإنزال للإشارة إلى علو مبدئه.

وقيل: المراد بالإنزال الإسكان والإقرار من قولهم: نزل في مكان كذا أي حط رحله فيه وأنزلته فيه أي حططت رحله فيه هذا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت