فهرس الكتاب

الصفحة 3795 من 4314

و ثانيا: أن قولهم: إن هذا التصديق لا يختلف بالزيادة والنقصان دعوى بلا دليل بل مصادرة على المطلوب وبناؤه على كون الإيمان عرضا وبقاء الأعراض على نحو تجدد الأمثال لا ينفعهم شيئا فإن من الإيمان ما لا تحركه العواصف ومنه ما يزول بأدنى سبب يعترض وأوهن شبهة تطرأ ، وهذا مما لا يعلل بتجدد الأمثال وقلة الفترات وكثرتها بل لا بد من استناده إلى قوة الإيمان وضعفه سواء قلنا بتجدد الأمثال أم لا.

مضافا إلى بطلان تجدد الأمثال على ما بين في محله.

وقولهم: إن المصدق إذا ضم إليه الطاعات أو ضم إليه المعاصي لم يتغير حاله أصلا ممنوع فقوة الإيمان بمزاولة الطاعات وضعفها بارتكاب المعاصي مما لا ينبغي الارتياب فيه ، وقوة الأثر وضعفه كاشفة عن قوة مبدإ الأثر وضعفه ، قال تعالى:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": فاطر: 10 ، وقال:"ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون": الروم: 10.

وأما ما ذكروه من التأويل فأول التأويلين يوجب كون من لم يستكمل الإيمان وهو الذي في قلبه فترات خالية من أجزاء الإيمان على ما ذكروه مؤمنا وكافرا حقيقة وهذا مما لا يساعده ولا يشعر به شيء من كلامه تعالى.

وأما قوله تعالى:"و لا يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون": يوسف: 106 ، فهو إلى الدلالة على كون الإيمان مما يزيد وينقص أقرب منه إلى الدلالة على نفيه فإن مدلوله أنهم مؤمنون في حال أنهم مشركون فإيمانهم إيمان بالنسبة إلى الشرك المحض وشرك بالنسبة إلى الإيمان المحض ، وهذا معنى قبول الإيمان للزيادة والنقصان.

وثاني التأويلين يفيد أن الزيادة في الإيمان وكثرته إنما هي بكثرة ما تعلق به وهو الأحكام والشرائع المنزلة من عند الله فهي صفة للإيمان بحال متعلقه والسبب في اتصافه بها هو متعلقه ، ولو كان هذه الزيادة هي المرادة من قوله:"ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم"كان الأنسب أن تجعل زيادة الإيمان في الآية غاية لتشريع الأحكام الكثيرة وإنزالها لا لإنزال السكينة في قلوب المؤمنين هذا.

وحمل بعضهم زيادة الإيمان في الآية على زيادة أثره وهو النور المشرق منه على القلب.

وفيه أن زيادة الأثر وقوته فرع زيادة المؤثر وقوته فلا معنى لاختصاص أحد الأمرين المتساويين من جميع الجهات بأثر يزيد على أثر الآخر.

وذكر بعضهم أن الإيمان الذي هو مدخول مع في قوله:"ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم"الإيمان الفطري والإيمان المذكور قبله هو الإيمان الاستدلالي ، والمعنى: ليزدادوا إيمانا استدلاليا على إيمانهم الفطري.

وفيه أنه دعوى من غير دليل يدل عليه.

على أن الإيمان الفطري أيضا استدلالي فمتعلق العلم والإيمان على أي حال أمر نظري لا بديهي.

وقال بعضهم كالإمام الرازي: إن النزاع في قبول الإيمان للزيادة والنقص وعدم قبوله نزاع لفظي فمراد النافين عدم قبول أصل الإيمان وهو التصديق ذلك وهو كذلك لعدم قبوله الزيادة والنقصان ، ومراد المثبتين قبول ما به كمال الإيمان وهو الأعمال للزيادة والنقصان وهو كذلك بلا شك.

وفيه أولا: أن فيه خلطا بين التصديق والإيمان فالإيمان تصديق مع الالتزام وليس مجرد التصديق فقط كما تقدم بيانه.

وثانيا: أن نسبة نفي الزيادة في أصل الإيمان إلى المثبتين غير صحيحة فهم إنما يثبتون الزيادة في أصل الإيمان ، ويرون أن كلا من العلم والالتزام المؤلف منهما الإيمان يقبل القوة والضعف.

وثالثا: أن إدخال الأعمال في محل النزاع غير صحيح لأن النزاع في شيء غير النزاع في أثره الذي به كماله ولا نزاع لأحد في أن الأعمال والطاعات تقبل العد وتقل وتكثر بحسب تكرر الواحد.

وقوله:"و لله جنود السماوات والأرض"الجند هو الجمع الغليظ من الناس إذا جمعهم غرض يعملون لأجله ولذا أطلق على العسكر المجتمعين على إجراء ما يأمر به أميرهم ، والسياق يشهد أن المراد بجنود السماوات والأرض الأسباب الموجودة في العالم مما يرى ولا يرى من الخلق فهي وسائط متخللة بينه تعالى وبين ما يريده من شيء تطيعه ولا تعصاه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت