قوله تعالى:"و لو لا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطئوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم"الوطء الدوس ، والمعرة المكروه ، وقوله:"أن تطئوهم"بدل اشتمال من مدخول لو لا ، وجواب لو لا محذوف ، والتقدير: ما كف أيديكم عنهم.
والمعنى: ولو لا أن تدوسوا رجالا مؤمنين ونساء مؤمنات بمكة وأنتم جاهلون بهم لا تعلمون فتصيبكم من قتلهم وإهلاكهم مكروه لما كف الله أيديكم عنهم.
وقوله:"ليدخل الله في رحمته من يشاء"اللام متعلق بمحذوف ، والتقدير: ولكن كف أيديكم عنهم ليدخل في رحمته أولئك المؤمنين والمؤمنات غير المتميزين بسلامتهم من القتل وإياكم بحفظكم من أصابه المعرة.
وقيل: المعنى: ليدخل في رحمته من أسلم من الكفار بعد الصلح.
وقوله:"لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما"التزيل التفرق وضمير"تزيلوا"لجميع من تقدم ذكره من المؤمنين والكفار من أهل مكة أي لو تفرقوا بأن يمتاز المؤمنون من الكفار لعذبنا الذين كفروا من أهل مكة عذابا أليما لكن لم نعذبهم لحرمة من اختلط بهم من المؤمنين.
قوله تعالى:"إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية"إلى آخر الآية قال الراغب: وعبر عن القوة الغضبية إذا ثارت وكثرت بالحمية فيقال: حميت على فلان أي غضبت عليه قال تعالى:"حمية الجاهلية"وعن ذلك استعير قولهم: حميت المكان حمى انتهى.
والظرف في قوله:"إذ جعل"متعلق بقوله سابقا:"و صدوكم"وقيل: متعلق بقوله:"لعذبنا"وقيل: متعلق باذكر المقدر ، والجعل بمعنى الإلقاء و"الذين كفروا"فاعله والحمية مفعوله و"حمية الجاهلية"بيان للحمية والجاهلية وصف موضوع في موضع الموصوف والتقدير الملة الجاهلية.
ولو كان"جعل"بمعنى صير كان مفعوله الثاني مقدرا والتقدير إذ جعل الذين كفروا الحمية راسخة في قلوبهم ووضع الظاهر موضع الضمير في قوله:"جعل الذين كفروا"للدلالة على سبب الحكم.
ومعنى الآية: هم الذين كفروا وصدوكم إذ ألقوا في قلوبهم الحمية حمية الملة الجاهلية.
وقوله:"فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين"تفريع على قوله:"جعل الذين كفروا"ويفيد نوعا من المقابلة كأنه قيل: جعلوا في قلوبهم الحمية فقابله الله سبحانه بإنزال السكينة على رسوله وعلى المؤمنين فاطمأنت قلوبهم ولم يستخفهم الطيش وأظهروا السكينة والوقار من غير أن يستفزهم الجهالة.
وقوله:"و ألزمهم كلمة التقوى"أي جعلها معهم لا تنفك عنهم ، وهي على ما اختاره جمهور المفسرين كلمة التوحيد وقيل: المراد الثبات على العهد والوفاء به وقيل: المراد بها السكينة وقيل: قولهم: بلى في عالم الذر ، وهو أسخف الأقوال.
ولا يبعد أن يراد بها روح الإيمان التي تأمر بالتقوى كما قال تعالى:"أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه": المجادلة: 22 ، وقد أطلق الله الكلمة على الروح في قوله:"و كلمته ألقاها إلى مريم وروح منه": النساء: 171.
وقوله:"و كانوا أحق بها وأهلها"أما كونهم أحق بها فلتمام استعدادهم لتلقي هذه العطية الإلهية بما عملوا من الصالحات فهم أحق بها من غيرهم ، وأما كونهم أهلها فلأنهم مختصون بها لا توجد في غيرهم وأهل الشيء خاصته.
وقيل: المراد وكانوا أحق بالكسينة وأهلها ، وقيل: إن في الكلام تقديما وتأخيرا والأصل وكانوا أهلها وأحق بها وهو كما ترى.
وقوله:"و كان الله بكل شيء عليما"تذييل لقوله:"و كانوا أحق بها وأهلها"أو لجميع ما تقدم ، والمعنى على الوجهين ظاهر.
قوله تعالى:"لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين لا تخافون"الخ ، قيل: إن صدق وكذب مخففين يتعديان إلى مفعولين يقال: صدقت زيدا الحديث وكذبته الحديث ، وإلى المفعول الثاني بفي يقال: صدقته في الحديث وكذبته فيه ، ومثقلين يتعديان إلى مفعول واحد يقال: صدقته في حديثه وكذبته في حديثه.
واللام في"لقد صدق الله"للقسم ، وقوله:"لتدخلن المسجد الحرام"جواب القسم.