لكن بالنظر إلى أن كل فعل وترك من الإنسان لا يخلو من حكم له فيه وكذلك العزم والإرادة إلى فعل أو ترك يدخل الأفعال والتروك وكذا إرادتها والعزم عليها في حكم الاتباع ، ويفيد النهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله النهي عن المبادرة والإقدام إلى قول لم يسمع من الله ورسوله ، وإلى فعل أو ترك أو عزم وإرادة بالنسبة إلى شيء منهما قبل تلقي الحكم من الله ورسوله فتكون الآية قريبة المعنى من قوله تعالى في صفة الملائكة:"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء: 27.
وهذا الاتباع المندوب إليه بقوله:"لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"هو الدخول في ولاية الله والوقوف في موقف العبودية والسير في مسيرها بجعل العبد مشيته تابعة لمشية الله في مرحلة التشريع كما أنها تابعة لها في مرحلة التكوين قال تعالى:"و ما تشاءون إلا أن يشاء الله": الإنسان: 30 ، وقال:"و الله ولي المؤمنين": آل عمران: 68 ، وقال:"و الله ولي المتقين": الجاثية: 19.
وللقوم في قوله تعالى:"لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"وجوه منها: أن التقديم بمعنى التقدم فهو لازم ومعنى"لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"لا تعجلوا بالأمر والنهي دون الله ورسوله ولا تقطعوا بالأمر والنهي دون الله ورسوله ، وربما قيل: إن التقديم في الآية بمعناه المعروف لكنه مستعمل بالإعراض عن متعلقاته كقوله:"يحيي ويميت": الحديد: 2 ، فيئول المعنى إلى مجرد كون شيء قدام شيء فيرجع إلى معنى التقدم.
واللفظ مطلق يشمل التقدم في قول أو فعل حتى التقدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في المشية والجلسة ، والتقدم بالطاعات الموقتة قبل وقتها وغير ذلك.
ومنها: أن المراد النهي عن التكلم قبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أي إذا كنتم في مجلسه وسئل عن شيء فلا تسبقوه بالجواب حتى يجيب هو أولا.
ومنها: أن المعنى: لا تسبقوه بقول أو فعل حتى يأمركم به.
ومنها: أن المعنى: لا تقدموا أقوالكم وأفعالكم على قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وفعله ولا تمكنوا أحدا يمشي أمامه.
والظاهر أن تفسير"لا تقدموا بين يدي الله ورسوله"بالنهي عن التقديم بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط في هذه الوجوه الثلاثة الأخيرة مبني على حملهم ذكر الله تعالى مع رسوله في الآية على نوع من التشريف كقوله: أعجبني زيد وكرمه فيكون ذكره تعالى للإشارة إلى أن السبقة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على أي حال في معنى السبقة على الله سبحانه.
ولعل التأمل فيما قدمناه من الوجه يكفيك في المنع عن المصير إلى شيء من هذه الوجوه.
وقوله:"و اتقوا الله إن الله سميع عليم"أمر بالتقوى في موقف الاتباع والعبودية ولا ظرف للإنسان إلا ظرف العبودية ولذلك أطلق التقوى.
وفي قوله:"إن الله سميع عليم"تعليل للنهي والتقوى فيه أي اتقوه بالانتهاء عن هذا النهي فلا تقدموا قولا بلسانكم ولا في سركم لأن الله سميع يسمع أقوالكم عليم يعلم ظاهركم وباطنكم وعلانيتكم وسركم.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي"إلخ ، وذلك بأن تكون أصواتهم عند مخاطبته وتكليمه (صلى الله عليه وآله وسلم) أرفع من صوته وأجهر لأن في ذلك كما قيل أحد شيئين: إما نوع استخفاف به وهو الكفر ، وإما إساءة الأدب بالنسبة إلى مقامه وهو خلاف التعظيم والتوقير المأمور به.
وقوله:"و لا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض"فإن من التعظيم عند التخاطب أن يكون صوت المتكلم أخفض من صوت مخاطبه فمطلق الجهر بالخطاب فاقد لمعنى التعظيم فخطاب العظماء بالجهر فيه كخطاب عامة الناس لا يخلو من إساءة الأدب والوقاحة.
وقوله:"أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون"أي لئلا تحبط أو كراهة أن تحبط أعمالكم ، وهو متعلق بالنهيين جميعا أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت فوق صوته والجهر له بالقول كجهر بعضكم لبعض لئلا تبطل أعمالكم بذلك من حيث لا تشعرون فإن فيهما الحبط ، وقد تقدم القول في الحبط في الجزء الثاني من الكتاب.