فهرس الكتاب

الصفحة 3821 من 4314

و جوز بعضهم كون"أن تحبط"إلخ ، تعليلا للمنهي عنه وهو الرفع والجهر ، والمعنى: فعلكم ذلك لأجل الحبوط منهي عنه ، والفرق بين تعليله للنهي وتعليله للمنهي عنه أن الفعل المنهي عنه معلل على الأول والفعل المعلل منهي عنه على الثاني ، وفيه تكلف ظاهر.

وظاهر الآية أن رفع الصوت فوق صوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والجهر له بالقول معصيتان موجبتان للحبط فيكون من المعاصي غير الكفر ما يوجب الحبط.

وقد توجه الآية بأن المراد بالحبط فقدان نفس العمل للثواب لا إبطال العمل ثواب سائر الأعمال كما في الكفر ، قال في مجمع البيان ،: وقال أصحابنا: أن المعنى في قوله:"أن تحبط أعمالكم"إنه ينحبط ثواب ذلك العمل لأنهم لو أوقعوه على وجه تعظيم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتوقيره لاستحقوا الثواب فلما أوقعوه على خلاف ذلك الوجه استحقوا العقاب وفاتهم ذلك الثواب فانحبط عملهم فلا تعلق لأهل الوعيد بهذه الآية.

ولأنه تعالى علق الإحباط في هذه الآية بنفس العمل وهم يعلقونه بالمستحق على العمل وذلك خلاف الظاهر.

انتهى.

وفيه أن الحبط المتعلق بالكفر الذي لا ريب في تعلقه بثواب الأعمال أيضا متعلق في كلامه بنفس الأعمال كما في هذه الآية فلتحمل هذه على ما حملت عليه ذلك من غير فرق ، وكونه خلاف الظاهر ممنوع فإن بطلان العمل بطلان أثره المترتب عليه.

وقد توجه الآية أيضا بالبناء على اختصاص الحبط بالكفر بأن رفع الصوت فوق صوت النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والجهر له بالقول ليسا بمحبطين من حيث أنفسهما بل من حيث أدائهما أحيانا إلى إيذائه (صلى الله عليه وآله وسلم) وإيذاؤه كفر والكفر محبط للعمل.

قال بعضهم: المراد في الآية النهي عن رفع الصوت مطلقا ومعلوم أن ملاكه التحذر مما يتوقع فيه من إيذاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الذي هو كفر محبط للعمل بالاتفاق.

فورد النهي عما هو مظنة أذاه - سواء وجد هذا المعنى أو لا - حماية للحومة وحسما للمادة.

ثم لما كان هذا المنهي عنه منقسما إلى ما يبلغ حد الكفر وهو المؤذي له عليه الصلاة والسلام وإلى ما لا يبلغ ذلك المبلغ ، ولا دليل يميز أحد القسمين من الآخر ولو فرض وجوده لم يلتفت إليه في كثير من الأحيان ، لزم المكلف أن يكف عن ذلك مطلقا مخافة أن يقع فيما هو محبط للعمل وهو البالغ حد الأذى.

وإلى التباس أحد القسمين بالآخر الإشارة بقوله تعالى:"أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون"وإلا فلو كان رفع الصوت والجهر بالقول منهيا عنهما مطلقا سواء بلغا حد الأذى أو لم يبلغا لم يكن موقع لقوله تعالى:"و أنتم لا تشعرون"إذ الأمر منحصر بين أن يكون رفع الصوت أو الجهر بالقول بالغا حد الأذى فيكون كفرا محبطا قطعا أو غير بالغ فيكون أيضا ذنبا محبطا قطعا فالإحباط محقق على أي تقدير فلا موقع لإدعام الكلام بعدم الشعور مع أن الشعور ثابت مطلقا للعلم به بعد النهي.

انتهى ملخصا.

وفيه أن ظهور قوله:"لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض"في النهي النفسي دون النهي المقدمي أخذا بالاحتياط مما لا ريب فيه لكن كلا من الفعلين مما يدرك كونه عملا سيئا عقلا قبل ورود النهي الشرعي عنه كالافتراء والإفك ، وكان الذين يأتون بهما المؤمنين كما صدر النهي بقوله:"يا أيها الذين آمنوا"وهم وإن أمكن أن يسامحوا في بعض السيئات بحسبانه هينا لكنهم لا يرضون ببطلان إيمانهم وأعمالهم الصالحة من أصله.

فنبه سبحانه بقوله:"أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون"على أنكم لا تشعرون بما لذلك من الأثر الهائل العظيم فإنما هو إحباط الأعمال فلا تقربوا شيئا منهما أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون.

فقوله:"و أنتم لا تشعرون"ناظر إلى حالهم قبل النهي حيث كانوا يشعرون بكون الفعل سيئة لكنهم ما كانوا يعلمون بعظمة مساءته لهذا الحد ، وأما بعد صدور البيان الإلهي فهم شاعرون بالإحباط.

فالآية من وجه نظيره قوله تعالى في آيات الإفك:"و تحسبونه هينا وهو عند الله عظيم": النور: 15 ، وقوله في آيات القيامة:"و بدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون": الزمر: 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت