و ضمير"منهم"في قوله:"بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم"راجع إليهم بما هم بشر أي من جنسهم وذلك أن الوثنيين ينكرون نبوة البشر كما تقدمت الإشارة إليه مرارا أو راجع إليهم بما هم عرب والمعنى: بل عجبوا أن جاءهم منذر من قومهم وبلسانهم يبين لهم الحق أوفى بيان فيكون أبلغ في تقريعهم.
وقوله:"فقال الكافرون هذا شيء عجيب"وصفهم بالكفر ولم يقل: وقال المشركون ونحو ذلك للدلالة على سترهم للحق لما جاءهم ، والإشارة في قولهم:"هذا شيء عجيب"، إلى البعث والرجوع إلى الله كما يفسره قوله بعد:"أ إذا متنا وكنا ترابا"إلخ.
قوله تعالى:"أ ءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد"الرجع والرجوع بمعنى والمراد بالبعد البعد عن العقل.
وجواب إذا في قولهم:"أ ءذا متنا وكنا ترابا"محذوف يدل عليه قولهم:"ذلك رجع بعيد"والتقدير أ ءذا متنا وكنا ترابا نبعث ونرجع؟ والاستفهام للتعجيب ، وإنما حذف للإشارة إلى أنه عجيب بحيث لا ينبغي أن يذكر ، إذ لا يقبله عقل ذي عقل والآية في مساق قوله:"و قالوا أ ءذا ضللنا في الأرض أ إنا لفي خلق جديد": الم السجدة: 10.
والمعنى: أنهم يتعجبون ويقولون: أ ءذا متنا وكنا ترابا - وبطلت ذواتنا بطلانا لا أثر معه منها - نبعث ونرجع؟ ثم كان قائلا يقول لهم: مم تتعجبون؟ فقالوا: ذلك رجع بعيد يستبعده العقل ولا يسلمه.
قوله تعالى:"قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ"رد منه تعالى لاستبعادهم البعث والرجوع مستندين في ذلك إلى أنهم ستتلاشى أبدانهم بالموت فتصير ترابا متشابه الأجزاء لا تمايز لجزء منها من جزء والجواب أنا نعلم بما تأكله الأرض من أبدانهم وتنقصه منها فلا يفوت علمنا جزء من أجزائهم حتى يتعسر علينا إرجاعه أو يتعذر بالجهل.
أو أنا نعلم من يموت منهم فيدفن في الأرض فتنقصه الأرض من جمعهم ، و"من"على أول الوجهين تبعيضية وعلى الثاني تبيينية.
وقوله:"و عندنا كتاب حفيظ"أي حافظ لكل شيء ولآثاره وأحواله ، أو كتاب ضابط للحوادث محفوظ عن التغيير والتحريف ، وهو اللوح المحفوظ الذي فيه كل ما كان وما يكون وما هو كائن إلى يوم القيامة.
وقول بعضهم إن المراد به كتاب الأعمال غير سديد أولا من جهة أن الله ذكره حفيظا لما تنقص الأرض منهم وهو غير الأعمال التي يحفظه كتاب الأعمال.
وثانيا: أنه سبحانه إنما وصف في كلامه بالحفظ اللوح المحفوظ دون كتب الأعمال فحمل الكتاب الحفيظ على كتاب الأعمال من غير شاهد.
ومحصل جواب الآية أنهم زعموا أن موتهم وصيرورتهم ترابا متلاشي الذرات غير متمايز الأجزاء يصيرهم مجهولي الأجزاء عندنا فيمتنع علينا جمعها وإرجاعها لكنه زعم باطل فإنا نعلم بمن مات منهم وما يتبدل إلى الأرض من أجزاء أبدانهم وكيف يتبدل وإلى أين يصير؟ وعندنا كتاب حفيظ فيه كل شيء وهو اللوح المحفوظ.
قوله تعالى:"بل كذبوا بالحق لما جاءهم فهم في أمر مريج"المرج الاختلاط والالتباس ، وفي الآية إضراب عما تلوح إليه الآية السابقة فإن اللائح منها أنهم إنما تعجبوا من أمر البعث والرجوع واستبعدوه لجهلهم بأن الله سبحانه عليم لا يعزب عنه شيء من أحوال خلقه وآثارهم وأن جميع ذلك مستطر في اللوح المحفوظ عند الله بحيث لا يشذ عنه شاذ.
فأضرب في هذه الآية أن ذلك ليس من جهلهم وإن تجاهلوا بل كذبوا بالحق لما جاءهم فاستبان لهم أنه حق فهم جاحدون للحق معاندون له وليسوا بجاهلين به قاصرين عن إدراكه فهم في أمر مريج مختلط غير منتظم يدركون الحق ويكذبون به مع أن لازم العلم بشيء تصديقه والإيمان به.
وقيل: المراد بكونهم في أمر مريج أنهم متحيرون بعد إنكار الحق لا يدرون ما يقولون فتارة يقولون: افتراء على الله ، وتارة: سحر ، وتارة: شعر ، وتارة: كهانة وتارة: زجر.
ولذلك عقب الكلام بذكر آيات علمه وقدرته توبيخا لهم ثم بالإشارة إلى تكذيب الأمم الماضية الهالكة الذي ساقهم إلى عذاب الاستئصال ، تهديدا لهم.