قوله تعالى:"أ فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج"الفروج جمع فرجة: الشقوق والفتوق ، وتقييد السماء بكونها فوقهم للدلالة على أنها بمرأى منهم لا تغيب عن أنظارهم ، والمراد بتزيينها خلق النجوم اللامعة فيها بما لها من الجمال البديع ، فبناء هذا الخلق البديع بما لها من الجمال الرائع من غير شقوق وفتوق أصدق شاهد على قدرته القاهرة وعلمه المحيط بما خلق.
قوله تعالى:"و الأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج"مد الأرض بسطها لتلائم عيشة الإنسان ، والرواسي جمع الراسية بمعنى الثابتة صفة محذوفة الموصوف وهو الجبال ، والمراد جعل الجبال الثابتة على ظهرها ، والبهيج من البهجة ، قال في المجمع ،: البهجة الحسن الذي له روعة عند الرؤية كالزهرة والأشجار النضرة والرياض الخضرة.
انتهى.
وقيل: المراد بالبهيج الذي من رآه بهج وسر به فهو بمعنى المبهوج به.
والمراد بإنبات كل زوج بهيج إنبات كل صنف حسن المنظر من النبات.
فخلق الأرض وما جرى فيها من التدبير الإلهي العجيب أحسن دليل يدل العقل على كمال القدرة والعلم.
قوله تعالى:"تبصرة وذكرى لكل عبد منيب"مفعول له أي فعلنا ما فعلنا من بناء السماء ومد الأرض وعجائب التدبير التي أجريناها فيهما ليكون تبصرة يتبصر بها وذكرى يتذكر بها كل عبد راجع إلى الله سبحانه.
قوله تعالى:"و أنزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد"السماء جهة العلو والماء المبارك المطر ، وصف بالمباركة لكثرة خيراته العائدة إلى الأرض وأهلها ، وحب الحصيد المحصود من الحب وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة ، والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"و النخل باسقات لها طلع نضيد"الباسقات جمع باسقة وهي الطويلة العالية ، والطلع أول ما يطلع من ثمر النخيل ، والنضيد بمعنى المنضود بعضه على بعض والمعنى ظاهر.
قوله تعالى:"رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج"الرزق ما يمد به البقاء ، و"رزقا للعباد"مفعول له أي أنبتنا هذه الجنات وحب الحصيد والنخل باسقات بما لها من الطلع النضيد ليكون رزقا للعباد فمن خلق هذه النباتات ليرزق به العباد بما في ذلك من التدبير الوسيع الذي يدهش اللب ويحير العقل هو ذو علم لا يتناهى وقدرة لا تعيى لا يشق عليه إحياء الإنسان بعد موته وإن تلاشت ذرات جسمه وضلت في الأرض أجزاء بدنه.
وقوله:"و أحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج"برهان آخر على البعث غير ما تقدم استنتج من طي الكلام فإن البيان السابق في رد استبعادهم للبعث مستندين إلى صيرورتهم ترابا غير متمايز الأجزاء كان برهانا من مسلك إثبات علمه بكل شيء وقدرته على كل شيء وهذا البرهان الذي يتضمنه قوله:"و أحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج"من مسلك إثبات إمكان الشيء بوقوع مثله فليس الخروج من القبور بالإحياء بعد الموت إلا مثل خروج النبات الميت من الأرض بعد موتها ووقوف قواه عن النماء والنشوء.
وقد قررنا هذا البرهان في ذيل الآيات المستدلة بإحياء الأرض بعد موتها على البعث غير مرة فيما تقدم من أجزاء الكتاب.
قوله تعالى:"كذبت قبلهم قوم نوح - إلى قوله - كل كذب الرسل فحق وعيد"، تهديد وإنذار لهم بما كذبوا بالحق لما جاءهم وتبين لهم عنادا كما أشرنا إليه قبل.
وقد تقدم ذكر أصحاب الرس في تفسير سورة الفرقان ، وذكر أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب في سور الحجر والشعراء وص ، وذكر قوم تبع في سورة الدخان.
وفي قوله:"كل كذب الرسل فحق وعيد"إشارة إلى أن هناك وعيدا بالهلاك ينجز عند تكذيب الرسل قال تعالى:"فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين": النحل: 36.