فهرس الكتاب

الصفحة 3842 من 4314

و هذا تقريب للمقصود بجملة ساذجة يسهل تلقيها لعامة الأفهام وإلا فأمر قربه تعالى إليه أعظم من ذلك وأعظم فهو سبحانه الذي جعلها نفسا ورتب عليها آثارها فهو الواسطة بينها وبين نفسها وبينها وبين آثارها وأفعالها فهو أقرب إلى الإنسان من كل أمر مفروض حتى في نفسه ، ولكون هذا المعنى دقيقا يشق تصوره على أكثر الأفهام عدل سبحانه إلى بيانه بنحو قوله:"و نحن أقرب إليه من حبل الوريد"وقريب منه بوجه قوله:"إن الله يحول بين المرء وقلبه".

ولهم في معنى الآية وجوه كثيرة أخر لا جدوى في نقلها والبحث عنها من أرادها فليراجع كتبهم.

قوله تعالى:"إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد"التلقي الأخذ والتلقن ، والمراد بالمتلقيان على ما يفيده السياق الملكان الموكلان على الإنسان اللذان يتلقيان عمله فيحفظانه بالكتابة.

وقوله:"عن اليمين وعن الشمال قعيد"تقديره عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد ، والمراد باليمين والشمال يمين الإنسان وشماله ، والقعيد القاعد.

والظرف في قوله:"إذ يتلقى المتلقيان"الظاهر أنه متعلق بمحذوف والتقدير اذكر إذ يتلقى المتلقيان ، والمراد به الإشارة إلى علمه تعالى بأعمال الإنسان من طريق كتاب الأعمال من الملائكة وراء علمه تعالى بذاته من غير توسط الوسائط.

وقيل: الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة:"أقرب"والمعنى: نحن أقرب إليه من حبل الوريد في حين يتلقى الملكان الموكلان عليه أعماله ليكتباها.

ولعل الوجه السابق أوفق للسياق فإن بناء هذا الوجه على كون العمدة في الغرض بيان أقربيته تعالى إليه وعلمه به والباقي مقصود لأجله ، وظاهر السياق وخاصة بالنظر إلى الآية التالية كون كل من العلم من طريق القرب ومن طريق تلقي الملكين مقصودا بالاستقلال.

وقيل:"إذ"تعليلية تعلل علمه تعالى المدلول عليه بقوله:"و نحن أقرب إليه"إلخ ، بمفاد مدخولها.

وفيه أن من البعيد من مذاق القرآن أن يستدل على علمه تعالى بعلم الملائكة أو بحفظهم وكتابتهم.

وقوله:"عن اليمين وعن الشمال قعيد"تمثيل لموقعهما من الإنسان ، واليمين والشمال جانبا الخير والشر ينتسب إليهما الحسنة والسيئة.

قوله تعالى:"ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد"اللفظ الرمي سمي به التكلم بنوع من التشبيه ، والرقيب المحافظ ، والعتيد المعد المهيأ للزوم الأمر.

والآية تذكر مراقبة الكتبة للإنسان فيما يتكلم به من كلام ، وهي بعد قوله:"إذ يتلقى المتلقيان"إلخ ، من ذكر الخاص بعد العام لمزيد العناية به.

قوله تعالى:"و جاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد"الحيد العدول والميل على سبيل الهرب ، والمراد بسكرة الموت ما يعرض الإنسان حال النزع إذ يشتغل بنفسه وينقطع عن الناس كالسكران الذي لا يدري ما يقول ولا ما يقال له.

وفي تقييد مجيء سكرة الموت بالحق إشارة إلى أن الموت داخل في القضاء الإلهي مراد في نفسه في نظام الكون كما يستفاد من قوله تعالى:"كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون": الأنبياء: 35 ، وقد مر تفسيره فالموت - وهو الانتقال من هذه الدار إلى دار بعدها - حق كما أن البعث حق والجنة حق والنار حق ، وفي معنى كون الموت بالحق أقوال أخر لا جدوى في نقلها والتعرض لها.

وفي قوله:"ذلك ما كنت منه تحيد"إشارة إلى أن الإنسان يكره الموت بالطبع وذلك أن الله سبحانه زين الحياة الدنيا والتعلق بزخارفها للإنسان ابتلاء وامتحانا ، قال تعالى:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوكم أيكم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا": الكهف: 8.

قوله تعالى:"و نفخ في الصور ذلك يوم الوعيد"هذه نقلة ثانية إلى عالم الخلود بنفخ الصور بعد النقلة الأولى ، والمراد بنفخ الصور النفخة الثانية المقيمة للساعة أو مجموع النفختين بإرادة مطلق النفخ.

والمراد بيوم الوعيد يوم القيامة الذي ينجز الله تعالى فيه وعيده على المجرمين من عباده.

قوله تعالى:"و جاءت كل نفس معها سائق وشهيد"السياقة حث الماشية على المسير من خلفها بعكس القيادة فهي جلبها من أمامها.

فقوله:"و جاءت كل نفس"أي جاءت إلى الله وحضرت عنده لفصل القضاء ، والدليل عليه قوله تعالى:"إلى ربك يومئذ المساق": القيامة: 30.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت