فهرس الكتاب

الصفحة 3843 من 4314

و المعنى: وحضرت عنده تعالى كل نفس معها سائق يسوقها وشاهد يشهد بأعمالها ولم يصرح تعالى بكونهما من الملائكة أو بكونهما هما الكاتبين أو من غير الملائكة ، غير أن السابق إلى الذهن من سياق الآيات أنهما من الملائكة ، وسيجيء الروايات في ذلك.

وكذا لا تصريح بكون الشهادة منحصرة في هذا الشاهد المذكور في الآية بل الآيات الواردة في شهداء يوم القيامة تقضي بعدم الانحصار ، وكذا الآيات التالية الذاكرة لاختصام الإنسان وقرينة دالة على أن مع الإنسان يومئذ غير السائق والشهيد.

قوله تعالى:"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"وقوع الآية في سياق آيات القيامة واحتفافها بها يقضي بكونها من خطابات يوم القيامة ، والمخاطب بها هو الله سبحانه ، والذي خوطب بها هو الإنسان المذكور في قوله:"و جاءت كل نفس"وعليه فالخطاب عام متوجه إلى كل إنسان إلا أن التوبيخ والتقريع اللائح من سياق الآية ربما استدعى اختصاص الخطاب بمنكري المعاد ، أضف إلى ذلك ، كون الآيات مسوقة لرد منكري المعاد في قولهم:"أ ءذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد".

والإشارة بقوله:"هذا"إلى ما يشاهده يومئذ ويعاينه من تقطع الأسباب وبوار الأشياء ورجوع الكل إلى الله الواحد القهار ، وقد كان تعلق الإنسان في الدنيا بالأسباب الظاهرية وركونه إليها أغفله عن ذلك حتى إذا كشف الله عنه حجاب الغفلة فبدت له حقيقة الأمر فشاهد ذلك مشاهدة عيان لا علما فكريا.

ولذا خوطب بقوله:"لقد كنت"في الدنيا"في غفلة"أحاطت بك"من هذا"الذي تشاهده وتعاينه وإن كان في الدنيا نصب عينيك لا يغيب لكن تعلقك بذيل الأسباب أذهلك وأغفلك عنه"فكشفنا عنك غطاءك"اليوم"فبصرك"وهو البصيرة وعين القلب"اليوم"وهو يوم القيامة"حديد"أي نافذ يبصر ما لم يكن يبصره في الدنيا.

ويتبين بالآية أولا: أن معرف يوم القيامة أنه يوم ينكشف فيه غطاء الغفلة عن الإنسان فيشاهد حقيقة الأمر ، وفي هذا المعنى وما يقرب منه آيات كثيرة كقوله تعالى:"و الأمر يومئذ لله": الانفطار: 19 ، وقوله:"لمن الملك اليوم لله الواحد القهار": المؤمن: 16 ، إلى غير ذلك من الآيات.

وثانيا: أن ما يشاهده الإنسان يوم القيامة موجود مهيأ له وهو في الدنيا غير أنه في غفلة منه ، وخاصة يوم القيامة أنه يوم انكشاف الغطاء ومعاينة ما وراءه ، وذلك لأن الغفلة إنما يتصور فيما يكون هناك أمر موجود مغفول عنه ، والغطاء يستلزم أمرا وراءه وهو يغطيه ويستره ، وعدم حدة البصر إنما ينفع فيما إذا كان هناك مبصر دقيق لا ينفذ فيه البصر.

ومن أسخف القول ما قيل: إن الآية خطاب منه تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والمعنى: لقد كنت قبل الرسالة في غفلة من هذا الذي نوحي إليك فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد يدرك الوحي أو يبصر ملك الوحي فيتلقى الوحي ، وذلك لأن السياق لا يساعده ولا لفظ الآية ينطبق عليه.

قوله تعالى:"و قال قرينه هذا ما لدي عتيد"لا يخلو السياق من ظهور في أن المراد بهذا القرين الملك الموكل به فإن كان هو السائق كان معنى قوله:"هذا ما لدي عتيد"هذا الإنسان الذي هو عندي حاضر ، وإن كان هو الشهيد كان المعنى هذا - وهو يشير إلى أعماله التي حمل الشهادة عليها - ما عندي من أعماله حاضر مهيأ.

وقيل: المراد بالقرين الشيطان الذي يصاحبه ويغويه ، ومعنى كلامه على هذا هذا الإنسان هو الذي توليت أمره وملكته حاضر مهيأ لدخول جهنم.

قوله تعالى:"ألقيا في جهنم كل كفار عنيد مناع للخير معتد مريب"الكفار اسم مبالغة من الكفر ، والعنيد المعاند للحق المستمر على عناده ، والمعتدي المتجاوز عن الحد المتخطىء للحق ، والمريب الشاك أو المشكك في أمر البعث.

وبين هذه الصفات المعدودة شبه الاستلزام فإن كثرة الكفر برد الإنسان كل حق يواجهه تنتج العناد مع الحق والإصرار عليه ، والإصرار على العناد يوجب المنع عن أكثر الخيرات إذ لا خير إلا في الحق ومن ناحيته ، وهو يستلزم الخروج عن حد الحق إلى الباطل وتجاوز الإنسان عن حد العبودية إلى الاستكبار والطغيان ويستلزم تشكيك الناس في ما يرومونه من دين الحق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت