و الخطاب في الآية منه تعالى ، وظاهر سياق الآيات أن المخاطب به هما الملكان الموكلان السائق والشهيد ، واحتمل بعضهم أن يكون الخطاب إلى ملكين من ملائكة النار وخزنتها.
قوله تعالى:"الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد"العدول في ذكر صفة الشرك عن الإيجاز إلى الإطناب حيث لم يقل: مشرك وقال:"الذي جعل"إلخ ، للإشارة إلى أن هذه الصفة أعظم المعاصي وأم الجرائم التي أتى بها والصفات الرذيلة التي عدت له من الكفر والعناد ومنع الخير والاعتداء والإرابة.
وقوله:"فألقياه في العذاب الشديد"تأكيد لما تقدم من الأمر بقوله:"ألقيا"إلخ ، ويلوح إلى تشديد الأمر من جهة الشرك ، ولذا عقبه بقوله:"في العذاب الشديد".
قوله تعالى:"قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد"المراد بهذا القرين قرينه من الشياطين بلا شك ، وقد تكرر في كلامه تعالى ذكر القرين من الشيطان وهو الذي يلازم الإنسان ويوحي إليه ما يوحي من الغواية والضلال ، قال تعالى:"و من يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين": الزخرف: 38.
فقوله:"قال قرينه"أي شيطانه الذي يصاحبه ويغويه"ربنا"أضاف الرب إلى نفسه والإنسان الذي هو قرينه لأنهما في مقام الاختصام"ما أطغيته"أي ما أجبرته على الطغيان"و لكن كان في ضلال بعيد"أي متهيئا مستعدا لقبول ما ألقيته إليه تلقاه باختياره فما أنا بمسئولين عن ذنبه في طغيانه.
وقد تقدم في سورة الصافات تفصيل اختصام الظالمين وأزواجهم في قوله:"احشروا الذين ظلموا وأزواجهم": الصافات: 22 ، إلى آخر الآيات.
قوله تعالى:"قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد"القائل هو الله سبحانه يخاطبهم وكأنه خطاب واحد لعامة المشركين الطاغين وقرنائهم ينحل إلى خطابات جزئية لكل إنسان وقرينه بمثل قولنا: لا تختصما لدي ، إلخ.
وقوله:"و قد قدمت إليكم بالوعيد"حال من فاعل"لا تختصموا"و"بالوعيد"مفعول"قدمت"والباء للوصلة.
والمعنى: لا تختصموا لدي فلا نفع لكم فيه بعد ما أبلغتكم وعيدي لمن أشرك وظلم ، والوعيد الذي قدمه إليهم مثل قوله تعالى لإبليس:"اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا": إسراء: 63 ، وقوله:"فالحق والحق أقول لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين": ص: 85.
أو قوله:"لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين": السجدة: 13.
قوله تعالى:"ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد"الذي يعطيه السياق أن تكون الآية استئنافا بمنزلة الجواب عن سؤال مقدر كان قائلا يقول: هب أنك قد قدمت فهلا غيرته وعفوت؟ فأجيب بقوله:"ما يبدل القول لدي"والمراد بالقول مطلق القضاء المحتوم الذي قضى به الله ، وقد قضى لمن مات على الكفر بدخول جهنم وينطبق بحسب المورد على الوعيد الذي أوعده الله لإبليس ومن تبعه.
فقد بان أن الجملة مستأنفة ، والمراد بتبديل القول تغيير القضاء المحتوم ، و"لدي"متعلق بالتبديل ، هذا ما يعطيه السياق ، وقد ذكر بعضهم في هذه الجملة وإعراب مفرداتها ومعنى تبديل القول وجوها واحتمالات كثيرة بعيدة عن الفهم لا تزيد في الكلام إلا تعقيدا فأغمضنا عن إيرادها.
وقوله:"و ما أنا بظلام للعبيد"متمم لمعنى الجملة السابقة أي لا يبدل قولي فأنتم معذبون لا محالة ولست أظلم عبيدي في عذابهم على طبق ما قدمت إليهم بالوعيد لأنهم مستحقون لذلك بعد إتمام الحجة.
ومن وجه آخر: لا ظلم في مجازاتهم بالعذاب فإنهم إنما يجزون بأعمالهم التي قدموها في أعمالهم ردت إليهم كما هو ظاهر قوله تعالى:"يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون": التحريم: 7.
وما في قوله:"و ما أنا بظلام"من نفي الظلم الكثير لا يستوجب جواز الظلم اليسير فإنه تعالى لو ظلم في شيء من الجزاء كان ظلما كثيرا لكثرة أمثاله فإن الخطاب لكل إنسان مشرك ظالم مع قرينه ، وهم كثيرون فهو سبحانه لو ظلم في شيء من الجزاء لكان ظلاما.