فهرس الكتاب

الصفحة 3851 من 4314

فالآيات في معنى أن يقال: أقسم بعامة الأسباب التي يتمم بها أمر التدبير في العالم أن كذا كذا ، وقد ورد من طرق الخاصة والعامة عن علي عليه أفضل السلام تفسير الآيات الأربع بما تقدم.

وعن الفخر الرازي في التفسير الكبير ، أن الأقرب حمل الآيات الأربع جميعا على الرياح فإنها كما تذرو التراب ذروا تحمل السحب الثقال وتجري في الجو بيسر وتقسم السحب على الأقطار من الأرض.

والحق أن ما استقربه بعيد ، وما تقدم من المعنى أبلغ مما ذكره.

قوله تعالى:"إنما توعدون لصادق وإن الدين لواقع""ما"موصولة ، والضمير العائد إليها محذوف أي الذين توعدونه ، أو مصدرية ، و"توعدون"من الوعد كما يؤيده قوله:"و إن الدين لواقع"الشامل لمطلق الجزاء ، وقيل: من الإيعاد كما يؤيده قوله:"فذكر بالقرآن من يخاف وعيد": ق - 45.

وعد الوعد صادقا من المجاز في النسبة كما في قوله:"في عيشة راضية": الحاقة: 21 أو الصادق بمعنى ذو صدق كما قيل بمثله في قوله:"في عيشة راضية"والدين الجزاء.

وكيف كان فقوله:"إنما توعدون لصادق"جواب القسم ، وقوله:"و إن الدين لواقع"معطوف عليه بمنزلة التفسير ، والمعنى أقسم بكذا وكذا أن الذي توعدونه - وهو الذي يعدهم القرآن أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أنزل إليه - من يوم البعث وأن الله سيجزيهم فيه بأعمالهم إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا لصادق ، وإن الجزاء لواقع.

قوله تعالى:"و السماء ذات الحبك"الحبك بمعنى الحسن والزينة ، وبمعنى الخلق المستوي ، ويأتي جمعا لحبيكة أو حباك بمعنى الطريقة كالطرائق التي تظهر على الماء إذا تثنى وتكسر من مرور الرياح عليه.

والمعنى على الأول: أقسم بالسماء ذات الحسن والزينة نظير قوله تعالى:"إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب": الصافات: 6 ، وعلى الثاني: أقسم بالسماء ذات الخلق المستوي نظير قوله:"و السماء بنيناها بأيد": الآية 47 من السورة وعلى الثالث أقسم بالسماء ذات الطرائق نظير قوله:"و لقد خلقنا فوقكم سبع طرائق": المؤمنون: 17.

ولعل المعنى الثالث أظهر لمناسبته لجواب القسم الذي هو اختلاف الناس والتشتت طرائقهم كما أن الأقسام السابقة:"و الذاريات ذروا"إلخ كانت مشتركة في معنى الجري والسير مناسبة لجوابها:"إنما توعدون"إلخ المتضمن لمعنى الرجوع إلى الله والسير إليه.

قوله تعالى:"إنكم لفي قول مختلف يؤفك عنه من أفك"القول المختلف ما يتناقض ويدفع بعضه بعضا وحيث إن الكلام في إثبات صدق القرآن أو الدعوة أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فيما وعدهم من أمر البعث والجزاء فالمراد بالقول المختلف - على الأقرب - قولهم المختلف في أمر القرآن لغرض إنكار ما يثبته فتارة يقولون: إنه سحر والجائي به ساحر ، وتارة يقولون: زجر والجائي به مجنون ، وتارة يقولون: إلقاء شياطين الجن والجائي به كاهن ، وتارة يقولون: شعر والجائي به شاعر ، وتارة أنه افتراء ، وتارة يقولون إنما يعلمه بشر ، وتارة يقولون: أساطير الأولين اكتتبها.

وقوله:"يؤفك عنه من أفك"الإفك الصرف ، وضمير"عنه"إلى الكتاب من حيث اشتماله على وعد البعث والجزاء ، والمعنى: يصرف عن القرآن من صرف ، وقيل: الضمير للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعنى: يصرف عن الإيمان به من صرف ، وقد عرفت أن المعنى السابق أوفق للسياق وإن كان مآل المعنيين واحدا.

وحكي عن بعضهم أن ضمير"عنه"لما توعدون أو للدين أقسم تعالى أولا بالذاريات وغيرها على أن البعث والجزاء حق ثم أقسم بالسماء على أنهم في قول مختلف في وقوعه فمنهم شاك ومنهم جاحد ثم قال تعالى: يؤفك عن الإقرار بأمر البعث والجزاء من هو مأفوك.

وهذا الوجه قريب من الوجه السابق.

وعن بعضهم: أن الضمير لقول مختلف و"عن"للتعليل كما في قوله تعالى:"و ما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك": هود: 53 فيكون الجملة صفة لقول والمعنى: أنكم لفي قول مختلف يؤفك بسببه من أفك ، وهو وجه حسن.

وقيل: الضمير في"أنكم"للمسلم والكافر جميعا فيكون المراد بالقول المختلف قول المسلمين بوقوع البعث والجزاء وقول الكفار بعدم الوقوع.

ولعل السياق لا يلائمه وقيل: بعض وجوه أخر رديئة لا جدوى في التعرض له.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت