فهرس الكتاب

الصفحة 3852 من 4314

قوله تعالى:"قتل الخراصون الذين هم في غمرة ساهون يسألون أيان يوم الدين"أصل الخرص القول بالظن والتخمين من غير علم ، ولكون القول بغير علم في خطر من الكذب يسمى الكذاب خراصا ، والأشبه أن يكون المراد بالخراصين في الآية القوالين من غير علم ودليل وهم الخائضون في أمر البعث والجزاء المنكرون له بغير علم.

وفي قوله:"قتل الخراصون"دعاء عليهم بالقتل وهو كناية عن نوع من الطرد والحرمان من الفلاح وإليه يئول قول من فسره باللعن.

وقوله:"الذين هم في غمرة ساهون"الغمرة - كما ذكر الراغب - معظم الماء الساتر لمقرها ، وجعل مثلا للجهالة التي تغمر صاحبها ، والمراد بالسهو - كما قيل - مطلق الغفلة.

ومعنى الآية وهي تصف الخراصين: الذين هم في جهالة أحاطت بهم غافلون عن حقيقة ما أخبروا به.

وقوله:"يسألون أيان يوم الدين"ضمير الجمع للخراصين قول قالوه على طريق الاستعجال استهزاء كقولهم:"متى هذا الوعد إن كنتم صادقين": يس - 48.

والسؤال بأيان - الموضوعة للسؤال عن زمان مدخولها - عن يوم الدين وهو ظاهر في الزمان إنما هو بعناية أن يوم الدين لكونه موعودا ملحق بالزمانيات فيسأل عنه كما يسأل عن الزمانيات بأيان ومتى كما يقال: متى يوم العيد لكونه ذا شأن ملحقا لذلك بالزمانيات كذا قيل.

ويمكن أن يكون من التوسع في معنى الظرفية بأن يعد أوصاف الظرف الخاصة به ظرفا توسعا فيكون السؤال عن زمان الزمان سؤالا عن أنه بعد أي زمان أو قبل أي زمان؟ كما يقال: متى يوم العيد؟ فيجاب بأنه بعد عشرة أيام مثلا أو قبل يوم كذا ، وهو توسع جار في العرف غير مختص بكلام العرب ، وفي القرآن منه شيء كثير.

قوله تعالى:"يوم هم على النار يفتنون"ضمير الجمع للخراصين ، والفتن في الأصل إدخال الذهب النار ليظهر جودته ثم استعمل في مطلق الإحراق والتعذيب ، والظرف متعلق بفعل محذوف أو مبتدأ ، والآية جواب عن سؤالهم عدل فيه عن بيان وقت يوم الدين إلى بيان صفته والإشارة إلى حالهم فيه لما أن وقته من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله قال تعالى:"لا يجليها لوقتها إلا هو".

وتقدير الآية ومعناها: يقع يوم الدين أو هو واقع يوم هم أي الخراصون في النار يعذبون أو يحرقون.

قوله تعالى:"ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون"حكاية خطاب منه تعالى أو من الملائكة بأمره للخراصين وهم يفتنون على النار يومئذ.

والمعنى: يقال لهم ذوقوا العذاب الذي يخصكم.

هذا العذاب هو الذي كنتم تستعجلون به إذ تقولون استعجالا واستهزاء: أيان يوم الدين.

قوله تعالى:"إن المتقين في جنات وعيون"بيان لحال المتقين يوم الدين بعد وصف حال أولئك الخراصين.

وتنكير جنات وعيون للإشارة إلى عظم قدرها كأنها بحيث لا يقدر الواصفون على وصفها ، وقد ألحقت العيون بالجنات في ظرفيتها توسعا.

قوله تعالى:"آخذين ما آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين"أي قابلين ما أعطاهم ربهم الرءوف بهم راضين عنه وبما أعطاهم كما يفيده خصوص التعبير بالأخذ والإيتاء ونسبة الإيتاء إلى ربهم.

وقوله:"إنهم كانوا قبل ذلك محسنين"تعليل لما تقدمه أي إن حالهم تلك الحال لأنهم كانوا قبل ذلك أي في الدنيا ذوي إحسان في أعمالهم أي ذوي أعمال حسنة.

قوله تعالى:"كانوا قليلا من الليل ما يهجعون"الآيات تفسير لإحسانهم ، والهجوع النوم في الليل وقيل: النوم القليل.

ويمكن أن تكون: ما زائدة و"يهجعون"خبر كانوا ، و"قليلا"ظرفا متعلقا به أي في زمان قليل أو صفة لمفعول مطلق محذوف أي هجوعا قليلا و"من الليل"متعلقا بقليلا والمعنى: كانوا ينامون في زمان قليل من الليل أو ينامون الليل نوما قليلا.

وأن تكون موصولة والضمير العائد إليها محذوفا و"قليلا"خبر كانوا والموصول فاعله والمعنى: كانوا قليلا من الليل الذي يهجعون فيه.

وأن تكون مصدرية والمصدر المسبوك منها ومن مدخولها فاعلا لقوله:"قليلا"وهو خبر"كانوا".

وعلى أي حال فالقليل من الليل إما مأخوذ بالقياس إلى مجموع زمان كل ليلة فيفيد أنهم يهجعون كل ليلة زمانا قليلا منها ويصلون أكثرها ، وإما مأخوذ بالقياس إلى مجموع الليالي فيفيد أنهم يهجعون في قليل من الليالي ويقومون للصلاة في أكثرها أي لا يفوتهم صلاة الليل إلا في قليل من الليالي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت