فهرس الكتاب

الصفحة 3855 من 4314

و الآيات التي في النفوس منها ما هي في تركب الأبدان من أعضائها وأعضاء أعضائها حتى ينتهي إلى البسائط وما لها من عجائب الأفعال والآثار المتحدة في عين تكثرها المدبرة جميعا لمدبر واحد ، وما يعرضها من مختلف الأحوال كالجنينية والطفولية والرهاق والشباب والشيب.

ومنها ما هي من حيث تعلق النفوس أعني الأرواح بها كالحواس من البصر والسمع والذوق والشم واللمس التي هي الطرق الأولية لاطلاع النفوس على الخارج لتميز بذلك الخير من الشر والنافع من الضار لتسعى إلى ما فيه كمالها وتهرب مما لا يلائمها ، وفي كل منها نظام وسيع جار فيه منفصل بذاته عن غيره كالبصر لا خبر عنده عما يعمله السمع بنظامه الجاري فيه وهكذا ، والجميع مع هذا الانفصال والتقطع مؤتلفة تعمل تحت تدبير مدبر واحد هو النفس المدبرة والله من ورائهم محيط.

ومن هذا القبيل سائر القوى المنبعثة عن النفوس في الأبدان كالقوة الغضبية والقوة الشهوية وما لها من اللواحق والفروع فإنها على ما للواحد منها بالنسبة إلى غيره من البينونة وانفصال النظام الجاري فيه عن غيره واقعة تحت تدبير مدبر واحد تتعاضد جميع شعبها وتأتلف لخدمته.

ونظام التدبير الذي لكل من هذه المدبرات إنما وجد له حينما وجد وأول ما ظهر من غير فصل فليس مما عملت فيه خيرته وأوجده هو لنفسه عن فكر وروية أو بغيره فنظام تدبيره كنفسه من صانع صنعه وألزمه نظامه بتدبيره.

ومنها الآيات الروحانية الواقعة في عالم النفوس الظاهرة لمن رجع إليها وراقب الله سبحانه فيها من آيات الله التي لا يسعها وصف الواصفين وينفتح بها باب اليقين وتدرج المتطلع عليها في زمرة الموقنين فيرى ملكوت السماوات والأرض كما قال تعالى:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75.

قوله تعالى:"و في السماء رزقكم وما توعدون"قيل: المراد بالسماء جهة العلو فإن كل ما علاك وأظلك فهو سماء لغة ، والمراد بالرزق المطر الذي ينزله الله على الأرض فيخرج به أنواع ما يقتاتونه ويلبسونه وينتفعون به وقد قال تعالى:"و ما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها": الجاثية: 5 ، فسمي المطر رزقا فالمراد بالرزق سببه أو بتقدير مضاف أي سبب رزقكم.

وقيل: المراد أسباب الرزق السماوية من الشمس والقمر والكواكب واختلاف المطالع والمغارب الراسمة للفصول الأربعة وتوالي الليل والنهار وهي جميعا أسباب الرزق فالكلام على تقدير مضاف أي أسباب رزقكم أو فيه تجوز بدعوى أن وجود الأسباب فيها وجود ذوات الأسباب.

وقيل: المراد بكون الرزق فيها كون تقديره فيها ، أو أن الأرزاق مكتوبة في اللوح المحفوظ فيها.

ويمكن أن يكون المراد به عالم الغيب فإن الأشياء ومنها الأرزاق تنزل من عند الله سبحانه وقد صرح بذلك في أشياء كقوله تعالى:"و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6 ، وقوله:"و أنزلنا الحديد فيه بأس شديد": الحديد: 25 ، وقوله على نحو العموم:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 ، والمراد بالرزق كل ما ينتفع به الإنسان في بقائه من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومنكح وولد وعلم وقوة وغير ذلك.

وقوله:"و ما توعدون"عطف على"رزقكم"الظاهر أن المراد به الجنة لقوله تعالى:"عندها جنة المأوى": النجم: 15 ، وقول بعضهم: إن المراد به الجنة والنار أو الثواب والعقاب لا يلائمه قوله تعالى:"إن الذين كذبوا بآياتنا واستكبروا عنها لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط": الأعراف: 40.

نعم تكرر في القرآن نسبة نزول العذاب الدنيوي إلى السماء كقوله:"فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء": البقرة: 59 ، وغير ذلك.

وعن بعضهم أن قوله:"و ما توعدون"مبتدأ خبره قوله:"فورب السماء والأرض إنه لحق"والواو للاستئناف وهو معنى بعيد عن الفهم.

قوله تعالى:"فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون"النطق التكلم وضمير"إنه"راجع إلى ما ذكر من كون الرزق وما توعدون في السماء والحق هو الثابت المحتوم في القضاء الإلهي دون أن يكون أمرا تبعيا أو اتفاقيا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت