و المعنى: أقسم برب السماء والأرض أن ما ذكرناه من كون رزقكم وما توعدونه من الجنة - وهو أيضا من الرزق فقد تكرر في القرآن تسمية الجنة رزقا كقوله:"لهم مغفرة ورزق كريم": الأنفال: 74 ، وغير ذلك - في السماء لثابت مقضي مثل نطقكم وتكلمكم الذي هو حق لا ترتابون فيه.
وجوز بعضهم أن يكون ضمير"إنه"راجعا إلى"ما توعدون"فقط أو إلى الرزق فقط أو إلى الله أو إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو إلى القرآن أو إلى الدين في قوله:"و إن الدين لواقع"أو إلى اليوم في قوله:"أيان يوم الدين"أو إلى جميع ما تقدم من أول السورة إلى هاهنا ، ولعل الأوجه رجوعه إلى ما ذكر في قوله:"و في السماء رزقكم وما توعدون"كما قدمنا.
كلام في تكافؤ الرزق والمرزوق
الرزق بمعنى ما يرتزق به هو ما يمد شيئا آخر في بقائه بانضمامه إليه أو لحوقه به بأي معنى كان كالغذاء الذي يمد الإنسان في حياته وبقائه بصيرورته جزء من بدنه وكالزوج يمد زوجه في إرضاء غريزته وبقاء نسله وعلى هذا القياس.
ومن البين: أن الأشياء المادية يرتزق بعضها ببعض كالإنسان بالحيوان والنبات مثلا فما يلحق المرزوق في بقائه من أطوار الكينونة ومختلف الأحوال كما أنها أطوار من الكون لاحقة به منسوبة إليه كذلك هي بعينها أطوار من الكون لاحقة بالرزق منسوبة إليه وإن كان ربما تغيرت الأسماء فكما أن الإنسان يصير بالتغذي ذا أجزاء جديدة في بدنه كذلك الغذاء يصير جزءا جديدا من بدنه اسمه كذا.
ومن البين أيضا: أن القضاء محيط بالكون مستوعب للأشياء يتعين به ما يجري على كل شيء في نفسه وأطوار وجوده ، وبعبارة أخرى سلسلة الحوادث بما لها من النظام الجاري مؤلفة من علل تامة ومعلولات ضرورية.
ومن هنا يظهر أن الرزق والمرزوق متلازمان لا يتفارقان فلا معنى لموجود يطرأ عليه طور جديد في وجوده بانضمام شيء أو لحوقه إلا مع وجود الشيء المنضم أو اللاحق المشترك معه في طوره ذلك فلا معنى لمرزوق مستمد في بقائه ولا رزق له ، ولا معنى لرزق متحقق ولا مرزوق له كما لا معنى لزيادة الرزق على ما يحتاج إليه المرزوق ، وكذا لبقاء مرزوق من غير رزق فالرزق داخل في القضاء الإلهي دخولا أوليا لا بالعرض ولا بالتبع وهو المعنى بكون الرزق حقا.
قوله تعالى:"هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين"إشارة إلى قصة دخول الملائكة المكرمين على إبراهيم (عليه السلام) وتبشيرهم له ولزوجه ثم إهلاكهم قوم لوط ، وفيها آية على وحدانية الربوبية كما تقدمت الإشارة إليه.
وفي قوله:"هل أتاك حديث"تفخيم لأمر القصة و"المكرمين"- وهم الملائكة الداخلون على إبراهيم - صفة"ضيف"وإفراده لكونه في الأصل مصدرا لا يثنى ولا يجمع.
قوله تعالى:"إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال سلام قوم منكرون"الظرف متعلق بقوله في الآية السابقة:"حديث"و"سلاما"مقول القول والعامل فيه محذوف أي قالوا: نسلم عليك سلاما.
وقوله:"قال سلام"قول ومقول و"سلام"مبتدأ محذوف الخبر والتقدير سلام عليكم ، وفي إتيانه بالجواب جملة اسمية دالة على الثبوت تحية منه (عليه السلام) بما هو أحسن من تحيتهم بقولهم: سلاما فإنه جملة فعليه دالة على الحدوث.
وقوله:"قوم منكرون"الظاهر أنه حكاية قول إبراهيم في نفسه ، ومعناه أنه لما رآهم استنكرهم وحدث نفسه أن هؤلاء قوم منكرون ، ولا ينافي ذلك ما وقع في قوله تعالى:"فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم": هود: 70 حيث ذكر نكره بعد تقريب العجل الحنيذ إليهم فإن ما في هذه السورة حديث نفسه به وما في سورة هود ظهوره في وجهه بحيث يشاهد منه ذلك.
وهذا المعنى أوجه من قول جمع من المفسرين: إنه حكاية قوله (عليه السلام) لهم والتقدير أنتم قوم منكرون.
قوله تعالى:"فراغ إلى أهله فجاء بعجل سمين"الروغ الذهاب على سبيل الاحتيال على ما قاله الراغب وقال غيره: هو الذهاب إلى الشيء في خفية ، والمعنى الأول يرجع إلى الثاني.
والمراد بالعجل السمين المشوي منه بدليل قوله:"فقربه إليهم"أو الفاء فصيحة والتقدير فجاء بعجل سمين فذبحه وشواه وقربه إليهم.
قوله تعالى:"فقربه إليهم قال أ لا تأكلون"عرض الأكل على الملائكة وهو يحسبهم بشرا.