قوله تعالى:"فأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف إلخ"الفاء فصيحة والتقدير فلم يمدوا إليه أيديهم فلما رأى ذلك نكرهم وأوجس منهم خيفة ، والإيجاس الإحساس في الضمير والخيفة بناء نوع من الخوف أي أضمر منهم في نفسه نوعا من الخوف.
وقوله:"قالوا لا تخف"جيء بالفصل لا بالعطف لأنه في معنى جواب سؤال مقدر كأنه قيل: فما ذا كان بعد إيجاس الخيفة فقيل: قالوا: لا تخف وبشروه بغلام عليم فبدلوا خوفه أمنة وسرورا والمراد بغلام عليم إسماعيل أو إسحاق وقد تقدم الخلاف فيه.
قوله تعالى:"فأقبلت امرأته في صرة فصكت وجهها وقالت عجوز عقيم"في المجمع ، الصرة شدة الصياح وهو من صرير الباب ويقال للجماعة صرة أيضا.
قال: والصك الضرب باعتماد شديد انتهى.
والمعنى فأقبلت امرأة إبراهيم (عليه السلام) - لما سمعت البشارة - في ضجة وصياح فلطمت وجهها وقالت: أنا عجوز عقيم فكيف ألد؟ أو المعنى هل عجوز عقيم تلد غلاما؟ وقيل: المراد بالصرة الجماعة وأنها جاءت إليهم في جماعة فصكت وجهها وقالت ما قالت ، والمعنى الأول أوفق للسياق.
قوله تعالى:"قالوا كذلك قال ربك إنه هو الحكيم العليم"الإشارة بكذلك إلى ما بشروها به بما لها ولزوجها من حاضر الوضع هي عجوز عقيم وبعلها شيخ مسه الكبر فربها حكيم لا يريد ما يريد إلا بحكمه ، عليم لا يخفى عليه وجه الأمر.
قوله تعالى:"قال فما خطبكم أيها المرسلون - إلى قوله - للمسرفين"الخطب الأمر الخطير الهام ، والحجارة من الطين الطين المتحجر ، والتسويم تعليم الشيء بمعنى جعله ذا علامة من السومة بمعنى العلامة.
والمعنى:"قال إبراهيم (عليه السلام) "فما خطبكم"والشأن الخطير الذي لكم"أيها المرسلون"من الملائكة"قالوا"أي الملائكة لإبراهيم"إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين"وهم قوم لوط"لنرسل عليهم حجارة من طين"طينا متحجرا سماه الله سجيلا"مسومة"معلمة"عند ربك للمسرفين"تختص بهم لإهلاكهم ، والظاهر أن اللام في المسرفين للعهد."
قوله تعالى:"فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين"- إلى قوله - العذاب الأليم"الفاء فصيحة وقد أوجز بحذف ما في القصة من ذهاب الملائكة إلى لوط وورودهم عليه وهم القوم بهم حتى إذا أخرجوا آل لوط من القرية ، وقد فصلت القصة في غير موضع من كلامه تعالى."
فقوله:"فأخرجنا"إلخ بيان إهلاكهم بمقدمته ، وضمير"فيها"للقرية المفهومة من السياق ، و"بيت من المسلمين"بيت لوط ، وقوله:"و تركنا فيها آية"إشارة إلى إهلاكهم وجعل أرضهم عاليها سافلها ، والمراد بالترك الإبقاء كناية وقد بينت هذه الخصوصيات في سائر كلامه تعالى.
والمعنى: فلما ذهبوا إلى لوط وكان من أمرهم ما كان"أخرجنا من كان فيها"في القرية"من المؤمنين فما وجدنا غير بيت"واحد"من المسلمين"وهم آل لوط"و تركنا فيها"في أرضهم بقلبها وإهلاكهم"آية"دالة على ربوبيتنا وبطلان الشركاء"للذين يخافون العذاب الأليم"من الناس.
قوله تعالى:"و في موسى إذ أرسلناه إلى فرعون بسلطان مبين"عطف على قوله:"و تركنا فيها آية"والتقدير وفي موسى آية ، والمراد بسلطان مبين الحجج الباهرة التي كانت معه من الآيات المعجزة.
قوله تعالى:"فتولى بركنه وقال ساحر أو مجنون"التولي الإعراض والباء في قوله:"بركنه"للمصاحبة ، والمراد بركنه جنوده كما يؤيده الآية التالية ، والمعنى: أعرض مع جنوده ، وقيل: الباء للتعدية ، والمعنى: جعل ركنه متولين معرضين.
وقوله:"و قال ساحر أو مجنون"أي قال تارة هو مجنون كقوله:"إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون": الشعراء: 27 ، وقال أخرى: هو ساحر كقوله:"إن هذا لساحر عليم": الشعراء: 34.
قوله تعالى:"فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم وهو مليم"النبذ طرح الشيء من غير أن يعتد به ، واليم البحر ، والمليم الآتي بما يلام عليه من ألام بمعنى أتى بما يلام عليه كأغرب إذا أتى بأمر غريب.
والمعنى: فأخذناه وجنوده وهم ركنه وطرحناهم في البحر والحال أنه أتى من الكفر والجحود والطغيان بما يلام عليه ، وإنما خص فرعون بالملامة مع أن الجميع يشاركونه فيها لأنه إمامهم الذي قادهم إلى الهلاك ، قال تعالى:"يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار": هود: 98.