و ما نقله الله سبحانه في الآيات التالية من صحف إبراهيم وموسى (عليهما السلام) وإن لم يذكر في القرآن بعنوان أنه من صحفهما قبل هذه الآيات لكنه مذكور بعنوان الحكم والمواعظ والقصص والعبر فمعنى الآيتين: أم لم ينبأ بهذه الأمور وهي في صحف إبراهيم وموسى.
قوله تعالى:"ألا تزر وازرة وزر أخرى"الوزر الثقل وكثر استعماله في الإثم ، والوازرة النفس التي من شأنها أن تحمل الإثم ، والآية بيان ما في صحف إبراهيم وموسى (عليهما السلام) ، وكذا سائر الآيات المصدرة بأن وأن إلى تمام سبع عشرة آية.
والمعنى: ما في صحفهما هو أنه لا تحمل نفس إثم نفس أخرى أي لا تتأثم نفس بما لنفس أخرى من الإثم فلا تؤاخذ نفس بإثم نفس أخرى.
قوله تعالى:"و أن ليس للإنسان إلا ما سعى"قال الراغب: السعي المشي السريع وهو دون العدو ، ويستعمل للجد في الأمر خيرا كان أو شرا قال تعالى:"و سعى في خرابها".
انتهى واستعماله في الجد في الفعل استعمال استعاري.
ومعنى اللام في قوله:"للإنسان"الملك الحقيقي الذي يقوم بصاحبه قياما باقيا ببقائه يلازمه ولا يفارقه بالطبع وهو الذي يكتسبه الإنسان بصالح العمل أو طالحه من خير أو شر ، وأما ما يراه الإنسان مملوكا لنفسه وهو في ظرف الاجتماع من مال وبنين وجاه وغير ذلك من زخارف الحياة الدنيا وزينتها فكل ذلك من الملك الاعتباري الوهمي الذي يصاحب الإنسان ما دام في دار الغرور ويودعه عند ما أراد الانتقال إلى دار الخلود وعالم الآخرة.
فالمعنى: وأنه لا يملك الإنسان ملكا يعود إليه أثره من خير أو شر أو نفع أو ضر حقيقة إلا ما جد فيه من عمل فله ما قام بفعله بنفسه وأما ما قام به غيره من عمل فلا يلحق بالإنسان أثره خيرا أو شرا.
وأما الانتفاع من شفاعة الشفعاء يوم القيامة لأهل الكبائر فلهم في ذلك سعي جميل حيث دخلوا في حضيرة الإيمان بالله وآياته ، وكذا استفادة المؤمن بعد موته من استغفار المؤمنين له ، والأعمال الصالحة التي تهدي إليه مثوباتها هي مرتبطة بسعيه في الدخول في زمرة المؤمنين وتكثير سوادهم وتأييد إيمانهم الذي من آثاره ما يأتون به من الأعمال الصالحة.
وكذا من سن سنة حسنة فله ثوابها وثواب من عمل بها ، ومن سن سنة سيئة كان له وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة فإن له سعيا في عملهم حيث سن السنة وتوسل بها إلى أعمالهم كما تقدم في تفسير قوله تعالى:"و نكتب ما قدموا وآثارهم": يس: 12 ، وقد تقدم في تفسير قوله:"و ليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم": النساء: 9 ، وتفسير قوله:"ليميز الله الخبيث من الطيب": الأنفال: 37 ، كلام نافع في هذا المقام.
قوله تعالى:"و أن سعيه سوف يرى"المراد بالسعي ما سعى فيه من العمل وبالرؤية المشاهدة ، وظرف المشاهدة يوم القيامة بدليل تعقيبه بالجزاء فالآية قريبة المعنى من قوله تعالى:"يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء": آل عمران: 30 ، وقوله:"يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليروا أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره": الزلزال: 8.
وإتيان قوله:"سوف يرى"مبنيا للمفعول لا يخلو من إشعار بأن هناك من يشاهد العمل غير عامله.
قوله تعالى:"ثم يجزاه الجزاء الأوفى"الوفاء بمعنى التمام لأن الشيء التام يفي بجميع ما يطلب من صفاته ، والجزاء الأوفى الجزاء الأتم.
وضمير"يجزاه"للسعي الذي هو العمل والمعنى: ثم يجزي الإنسان عمله أي بعمله أتم الجزاء.
قوله تعالى:"و أن إلى ربك المنتهى"المنتهى مصدر ميمي بمعنى الانتهاء وقد أطلق إطلاقا فيفيد مطلق الانتهاء ، فما في الوجود من شيء موجود إلا وينتهي في وجوده وآثار وجوده إلى الله سبحانه بلا واسطة أو مع الواسطة ، ولا فيه أمر من التدبير والنظام الجاري جزئيا أو كليا إلا وينتهي إليه سبحانه إذ ليس التدبير الجاري بين الأشياء إلا الروابط الجارية بينها القائمة بها وموجد الأشياء هو الموجد لروابطها المجري لها بينها فالمنتهى المطلق لكل شيء هو الله سبحانه.
قال تعالى:"الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل له مقاليد السماوات والأرض": الزمر: 63 ، وقال:"ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54.