فهرس الكتاب

الصفحة 3889 من 4314

و الآية تثبت الربوبية المطلقة لله سبحانه بإنهاء كل تدبير وكل التدبير إليه وتشمل انتهاء الأشياء إليه من حيث البدء وهو الفطر ، وانتهاءها إليه من حيث العود والرجوع وهو الحشر.

ومما تقدم يظهر ضعف ما قيل في تفسير الآية أن المراد بذلك رجوع الخلق إليه سبحانه يوم القيامة ، وكذا ما قيل: إن المعنى أن إلى ثواب ربك وعقابه آخر الأمر ، وكذا ما قيل: المعنى أن إلى حساب ربك منتهاهم ، وكذا ما قيل: إليه سبحانه ينتهي الأفكار وتقف دونه ، ففي جميع هذه التفاسير تقييد الآية من غير مقيد.

قوله تعالى:"و أنه هو أضحك وأبكى"الآية وما يتلوها إلى تمام اثنتي عشرة آية بيان لموارد من انتهاء الخلق والتدبير إلى الله سبحانه.

والسياق في جميع هذه الآيات سياق الحصر ، وتفيد انحصار الربوبية فيه تعالى وانتفاء الشريك ، ولا ينافي ما في هذه الموارد من الحصر توسط أسباب أخر طبيعية أو غير طبيعية فيها كتوسط السرور والحزن وأعضاء الضحك والبكاء من الإنسان في تحقق الضحك والبكاء ، وكذا توسط الأسباب المناسبة الطبيعية وغير الطبيعية في الإحياء والإماتة وخلق الزوجين والغنى والقنى وإهلاك الأمم الهالكة وذلك أنها لما كانت مسخرة لأمر الله غير مستقلة في نفسها ولا منقطعة عما فوقها كانت وجوداتها وآثار وجوداتها وما يترتب عليها لله وحده لا يشاركه في ذلك أحد.

فمعنى قوله:"و أنه هو أضحك وأبكى"إنه تعالى هو أوجد الضحك في الضاحك وأوجد البكاء في الباكي لا غيره تعالى: ولا منافاة بين انتهاء الضحك والبكاء في وجودهما إلى الله سبحانه وبين انتسابهما إلى الإنسان وتلبسه بهما لأن نسبة الفعل إلى الإنسان بقيامه به ونسبة الفعل إليه تعالى بالإيجاد وكم بينهما من فرق.

ولا أن تعلق الإرادة الإلهية بضحك الإنسان مثلا يوجب بطلان إرادة الإنسان للضحك وسقوطها عن التأثير لأن الإرادة الإلهية لم تتعلق بمطلق الضحك كيفما كان وإنما تعلقت بالضحك الإرادي الاختياري من حيث إنه صادر عن إرادة الإنسان واختياره فإرادة الإنسان سبب لضحكه في طول إرادة الله سبحانه لا في عرضها حتى تتزاحما ولا تجتمعا معا فنضطر إلى القول بأن أفعال الإنسان الاختيارية مخلوقة لله ولا صنع للإنسان فيها كما يقوله الجبري أو أنها مخلوقة للإنسان ولا صنع لله سبحانه فيها كما يقوله المعتزلي.

ومما تقدم يظهر فساد قول بعضهم: إن معنى الآية أنه خلق قوتي الضحك والبكاء ، وقول آخرين: إن المعنى أنه خلق السرور والحزن ، وقول آخرين: إن المعنى أنه أضحك الأرض بالنبات وأبكى السماء بالمطر ، وقول آخرين: إن المعنى أنه أضحك أهل الجنة وأبكى أهل النار.

قوله تعالى:"و أنه هو أمات وأحيا"الكلام في انتساب الموت والحياة إلى أسباب أخر طبيعية وغير طبيعية كالملائكة كالكلام في انتساب الضحك والبكاء إلى غيره تعالى مع انحصار الإيجاد فيه تعالى ، وكذا الكلام في الأمور المذكورة في الآيات التالية.

قوله تعالى:"و أنه خلق الزوجين الذكر والأنثى من نطفة إذا تمنى"النطفة ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منه الولد ، وأمنى الرجل أي صب المني ، وقيل: معناه التقدير ، وقوله:"الذكر والأنثى"بيان للزوجين.

قيل: لم يذكر الضمير في الآية على طرز ما تقدم - أنه هو - لأنه لا يتصور نسبة خلق الزوجين إلى غيره تعالى.

قوله تعالى:"و أن عليه النشأة الأخرى"النشأة الأخرى الخلقة الأخرى الثانية وهي الدار الآخرة التي فيها جزاء ، وكون ذلك عليه تعالى قضاؤه قضاء حتم وقد وعد به ووصف نفسه بأنه لا يخلف الميعاد.

قوله تعالى:"و أنه هو أغنى وأقنى"أي أعطى الغنى وأعطى القنية ، والقنية ما يدوم من الأموال ويبقى ببقاء نفسه كالدار والبستان والحيوان ، وعلى هذا فذكر"أقنى"بعد أغنى من التعرض للخاص بعد العام لنفاسته وشرفه.

وقيل: الإغناء التمويل والإقناء الإرضاء بذلك ، وقال بعضهم: معنى الآية أنه هو أغنى وأفقر.

قوله تعالى:"و أنه هو رب الشعرى"كان المراد بالشعرى الشعرى اليمانية وهي كوكبة مضيئة من الثوابت شرقي صورة الجبار في السماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت