فهرس الكتاب

الصفحة 3909 من 4314

قوله تعالى:"إن المجرمين في ضلال وسعر"جمع سعير وهي النار المسعرة وفي الآية تعليل لما قبلها من قوله:"و الساعة أدهى وأمر"، والمعنى: إنما كانت الساعة أدهى وأمر لهم لأنهم مجرمون والمجرمون في ضلال عن موطن السعادة وهو الجنة ونيران مسعرة.

قوله تعالى:"يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر"السحب جر الإنسان على وجهه ، و"يوم"ظرف لقوله:"في ضلال وسعر"، و"سقر"من أسماء جهنم ومسها هو إصابتها لهم بحرها وعذابها.

والمعنى: كونهم في ضلال وسعر في يوم يجرون في النار على وجوههم يقال لهم: ذوقوا ما تصيبكم جهنم بحرها وعذابها.

قوله تعالى:"إنا كل شيء خلقناه بقدر""كل شيء"منصوب بفعل مقدر يدل عليه"خلقناه"والتقدير خلقنا كل شيء خلقناه ، و"بقدر"متعلق بقوله:"خلقناه"والباء للمصاحبة ، والمعنى: أنا خلقنا كل شيء مصاحبا لقدر.

وقدر الشيء هو المقدار الذي لا يتعداه والحد والهندسة التي لا يتجاوزه في شيء من جانبي الزيادة والنقيصة ، قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 ، فلكل شيء حد محدود في خلقه لا يتعداه وصراط ممدود في وجوده يسلكه ولا يتخطاه.

والآية في مقام التعليل لما في الآيتين السابقتين من عذاب المجرمين يوم القيامة كأنه قيل: لما ذا جوزي المجرمون بالضلال والسعر يوم القيامة وأذيقوا مس سقر؟ فأجيب بقوله:"إنا كل شيء خلقناه بقدر"ومحصله أن لكل شيء قدرا ومن القدر في الإنسان أن الله سبحانه خلقه نوعا متكاثر الأفراد بالتناسل اجتماعيا في حياته الدنيا يتزود من حياته الدنيا الداثرة لحياته الآخرة الباقية ، وقدر أن يرسل إليهم رسولا يدعوهم إلى سعادة الدنيا والآخرة فمن استجاب الدعوة فاز بالسعادة ودخل الجنة وجاور ربه ، ومن ردها وأجرم فهو في ضلال وسعر.

ومن الخطإ أن يقال: إن الجواب عن السؤال بهذا النحو من المصادرة الممنوعة في الاحتجاج فإن السؤال عن مجازاته تعالى إياهم بالنار لإجرامهم في معنى السؤال عن تقديره ذلك ، فمعنى السؤال: لم قدر الله للمجرمين المجازاة بالنار؟ ومعنى الجواب: أن الله قدر للمجرمين المجازاة بالنار ، أو معنى السؤال: لم يدخلهم الله النار؟ ومعنى الجواب: أن الله يدخلهم النار وذلك مصادرة بينة.

وذلك لأن بين فعلنا وبين فعله تعالى فرقا فإنا نتبع في أفعالنا القوانين والأصول الكلية المأخوذة من الكون الخارجي والوجود العيني ، وهي الحاكمة علينا في إرادتنا وأفعالنا ، فإذا أكلنا لجوع أو شربنا لعطش فإنما نريد بذلك الشبع والري لما حصلنا من الكون الخارجي أن الأكل يفيد الشبع والشرب يفيد الري وهو الجواب لو سئلنا عن الفعل.

وبالجملة أفعالنا تابعة للقواعد الكلية والضوابط العامة المنتزعة عن الوجود العيني المتفرعة عليه ، وأما فعله تعالى فهو نفس الوجود العيني ، والأصول العقلية الكلية مأخوذة منه متأخرة عنه محكومة له فلا تكون حاكمة فيه متقدمة عليه ، قال تعالى:"لا يسأل عما يفعل وهم يسألون": الأنبياء: 23 ، وقال:"إن الله يفعل ما يشاء": الحج: 18 ، وقال:"الحق من ربك": آل عمران: 60.

فلا سؤال عن فعله تعالى بلم بمعنى السؤال عن السبب الخارجي إذ لا سبب دونه يعينه في فعله ، ولا بمعنى السؤال عن الأصل الكلي العقلي الذي يصحح فعله إذ الأصول العقلية منتزعة عن فعله متأخرة عنه.

نعم وقع في كلامه سبحانه تعليل الفعل بأحد ثلاثة أوجه: أحدها: تعليل الفعل بما يترتب عليه من الغايات والفوائد العائدة إلى الخلق لا إليه ، لكنه تعليل للفعل لا لكونه فعلا له سبحانه بل لكونه أمرا واقعا في صف الأسباب والمسببات كما في قوله تعالى:"و لتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون": المائدة: 82 ، وقال:"و ضربت عليهم الذلة والمسكنة - إلى أن قال - ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون": البقرة: 61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت