الثاني: تعليل فعله تعالى بشيء من أسمائه وصفاته المناسبة له كتعليله تعالى مضامين كثير من الآيات في كلامه بمثل قوله:"إن الله غفور رحيم""و هو العزيز الحكيم""و هو اللطيف الخبير"إلى غير ذلك وهو شائع في القرآن الكريم ، وإذا أجدت التأمل في موارده وجدتها من تعليل الفعل بما له من صفة خاصة بصفة عامة لفعله تعالى فإن أسماءه تعالى الفعلية منتزعة عن فعله العام فتعليل فعل خاص بصفة من صفاته واسم من أسمائه تعليل الوجه الخاص في الفعل بالوجه العام فيه كقوله تعالى:"و كأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم": العنكبوت: 60 ، يعلل قضاء حاجة الدواب والإنسان إلى الرزق المسئول بلسان حاجتها بأنه سميع عليم أي أنه خلق كل شيء والحال أن مسائلهم مسموعة له وأحوالهم معلومة عنده وهما صفتا فعله العام ، وقوله:"فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم": البقرة: 37 ، يعلل توبته على آدم بأنه تواب رحيم أي صفة فعله هي التوبة والرحمة.
الثالث: تعليل فعله الخاص بفعله العام ومرجعه في الحقيقة إلى الوجه الثاني كقوله:"إن المجرمين في ضلال وسعر - إلى أن قال - إنا كل شيء خلقناه بقدر"فإن القدر وهو كون الشيء محدودا لا يتخطى حده في مسير وجوده فعل عام له تعالى لا يخلو عنه شيء من الخلق فتعليل العذاب بالقدر من تعليل فعله الخاص بفعله العام وبيان أنه مصداق من مصاديق القدر إذ كان من المقدر في الإنسان أن لو أجرم برد دعوة النبوة عذب ودخل النار يوم القيامة ، وكقوله:"و إن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا": مريم: 71 ، يعلل الورود بالقضاء وهو فعل له عام والورود خاص بالنسبة إليه.
فتبين أن ما في كلامه من تعليل فعل من أفعاله إنما هو من تعليل الفعل الخاص بصفته العامة والعلة علة للإثبات لا للثبوت ، وليس من المصادرة في شيء.
قوله تعالى:"و ما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر"قال في المجمع ،: اللمح النظر بالعجلة وهو خطف البصر.
انتهى.
والمراد بالأمر ما يقابل النهي لكنه الأمر التكويني بإرادة وجود الشيء ، قال تعالى:"إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون": يس: 82 فهو كلمة كن ولعله لكونه كلمة اعتبر الخبر مؤنثا فقيل:"إلا واحدة".
والذي يفيده السياق أن المراد بكون الأمر واحدة أنه لا يحتاج في مضيه وتحقق متعلقه إلى تعدد وتكرار بل أمر واحد بإلقاء كلمة كن يتحقق به المتعلق المراد كلمح بالبصر من غير تأن ومهل حتى يحتاج إلى الأمر ثانيا وثالثا.
وتشبيه الأمر من حيث تحقق متعلقه بلمح بالبصر لا لإفادة أن زمان تأثيره قصير كزمان تحقق اللمح بالبصر بل لإفادة أنه لا يحتاج في تأثيره إلى مضي زمان ولو كان قصيرا فإن التشبيه باللمح بالبصر في الكلام يكنى به عن ذلك ، فأمره تعالى وهو إيجاده وإرادة وجوده لا يحتاج في تحققه إلى زمان ولا مكان ولا حركة كيف لا؟ ونفس الزمان والمكان والحركة إنما تحققت بأمره تعالى.
والآية وإن كانت بحسب مؤداها في نفسها تعطي حقيقة عامة في خلق الأشياء وأن وجودها من حيث إنه فعل الله سبحانه كلمح بالبصر وإن كان من حيث إنه وجود لشيء كذا تدريجيا حاصلا شيئا فشيئا.
إلا أنها بحسب وقوعها في سياق إيعاد الكفار بعذاب يوم القيامة ناظرة إلى إتيان الساعة وأن أمرا واحدا منه تعالى يكفي في قيام الساعة وتجديد الخلق بالبعث والنشور فتكون متممة لما أقيم من الحجة بقوله:"إنا كل شيء خلقناه بقدر".
فيكون مفاد الآية الأولى أن عذابهم بالنار على وفق الحكمة ولا محيص عنه بحسب الإرادة الإلهية لأنه من القدر ، ومفاد هذه الآية أن تحقق الساعة التي يعذبون فيها بمضي هذه الإرادة وتحقق متعلقها لا مئونة فيه عليه سبحانه لأنه يكفي فيه أمر واحد منه تعالى كلمح بالبصر.
قوله تعالى:"و لقد أهلكنا أشياعكم فهل من مدكر"الأشياع جمع شيعة والمراد - كما قيل - الأشباه والأمثال في الكفر وتكذيب الأنبياء من الأمم الماضية.
والمراد بالآية والآيتين بعدها تأكيد الحجة السابقة التي أقيمت على شمول العذاب لهم لا محالة.