القدر وهو هندسة الشيء وحد وجوده مما تكرر ذكره في كلامه تعالى فيما تكلم فيه في أمر الخلقة ، قال تعالى:"و إن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم": الحجر: 21 ، وظاهره أن القدر ملازم للإنزال من الخزائن الموجودة عنده تعالى ، وأما نفس الخزائن وهي من إبداعه تعالى لا محالة فهي غير مقدرة بهذا القدر الذي يلازم الإنزال والإنزال إصداره إلى هذا العالم المشهود كما يفيده قوله:"و أنزلنا الحديد": الحديد: 25 ، وقوله:"و أنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج": الزمر: 6.
ويؤيد ذلك ما ورد من تفسير القدر بمثل العرض والطول وسائر الحدود والخصوصيات الطبيعية الجسمانية كما في المحاسن ، عن أبيه عن يونس عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: لا يكون إلا ما شاء الله وأراد وقدر وقضى. قلت: فما معنى شاء؟ قال: ابتدأ الفعل. قلت: فما معنى أراد؟ قال: الثبوت عليه. قلت: فما معنى قدر؟ قال: تقدير الشيء من طوله وعرضه. قلت: فما معنى قضى؟ قال: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له.
وروي هذا المعنى عن أبيه عن ابن أبي عمير عن محمد بن إسحاق عن الرضا (عليه السلام) في خبر مفصل وفيه: فقال: أ وتدري ما قدر؟ قال: لا ، قال: هو الهندسة من الطول والعرض والبقاء.
الخبر.
ومن هنا يظهر أن المراد بكل شيء في قوله:"و خلق كل شيء فقدره تقديرا": الفرقان: 3 ، وقوله:"إنا كل شيء خلقناه بقدر": القمر: 49 ، وقوله:"و كل شيء عنده بمقدار": الرعد: 8 ، وقوله:"الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى": طه: 50 ، الأشياء الواقعة في عالمنا المشهود ، من الطبيعيات الواقعة تحت الخلق والتركيب ، أو أن للتقدير مرتبتين: مرتبة تعم جميع ما سوى الله وهي تحديد أصل الوجود بالإمكان والحاجة وهذا يعم جميع الموجودات ما خلا الله سبحانه ، قال تعالى:"و كان الله بكل شيء محيطا": النساء: 126.
ومرتبة تخص عالمنا المشهود وهي تحديد وجود الأشياء الموجودة فيه من حيث وجودها وآثار وجودها وخصوصيات كونها بما أنها متعلقة الوجود والآثار بأمور خارجة من العلل والشرائط فيختلف وجودها وأحوالها باختلاف عللها وشرائطها فهي مقلوبة بقوالب من داخل وخارج تعين لها من العرض والطول والشكل والهيئة وسائر الأحوال والأفعال ما يناسبها.
فالتقدير يهدي هذا النوع من الموجودات إلى ما قدر لها في مسير وجودها ، قال تعالى:"الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى": الأعلى: 3 ، أي هدى ما خلقه إلى ما قدر له ، ثم أتم ذلك بإمضاء القضاء ، وفي معناه قوله في الإنسان:"من نطفة خلقه فقدره ثم السبيل يسره": عبس: 20 ، ويشير بقوله:"ثم السبيل يسره"إلى أن التقدير لا ينافي اختيارية أفعاله الاختيارية.
وهذا النوع من القدر في نفسه غير القضاء الذي هو الحكم البتي منه تعالى بوجوده"و الله يحكم لا معقب لحكمه": الرعد: 41 ، فربما قدر ولم يعقبه القضاء كالقدر الذي يقتضيه بعض العلل والشرائط الخارجة ثم يبطل لمانع أو باستخلاف سبب آخر ، قال تعالى:"يمحوا الله ما يشاء ويثبت": الرعد: 39 ، وقال:"ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها": البقرة: 106 ، وربما قدر وتبعه القضاء كما إذا قدر من جميع الجهات باجتماع جميع علله وشرائطه وارتفاع موانعه.
وإلى ذلك يشير قوله (عليه السلام) في خبر المحاسن السابق: إذا قضى أمضاه فذلك الذي لا مرد له ، وقريب منه ما في عدة من أخبار القضاء والقدر ما معناه أن القدر يمكن أن يتخلف وأما القضاء فلا يرد.
وعن علي (عليه السلام) بطرق مختلفة كما في التوحيد ، بإسناده عن ابن نباتة: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) عدل من عند حائط مائل إلى حائط آخر فقيل له: يا أمير المؤمنين تفر من قضاء الله؟ قال: أفر من قضاء الله إلى قدر الله عز وجل.
وأما النوع الأول من الموجودات الذي قدره حد وجوده من إمكانه وحاجته فحسب فالقدر والقضاء فيه واحد ولا يتخلف القدر فيه عن التحقق البتة.