و قوله:"في جنات النعيم"أي كل واحد منهم في جنة النعيم فالكل في جنات النعيم ، ويمكن أن يراد به أن كلا منهم في جنات النعيم لكن يبعده قوله في آخر السورة:"فأما إن كان من المقربين فروح وريحان وجنة نعيم".
وقد تقدم غير مرة أن النعيم هي الولاية وأن جنة النعيم هي جنة الولاية وهو المناسب لما تقدم آنفا أن المقربين هم أهل ولاية الله.
قوله تعالى:"ثلة من الأولين وقليل من الآخرين"الثلة - على ما قيل - الجماعة الكثيرة ، والمراد بالأولين الأمم الماضون للأنبياء السابقين ، وبالآخرين هذه الأمة على ما هو المعهود من كلامه تعالى في كل موضع ذكر فيه الأولين والآخرين معا ومنها ما سيأتي من قوله:"أ إنا لمبعوثون أ وآباؤنا الأولون قل إن الأولين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم"فمعنى الآيتين: هم أي المقربون جماعة كثيرة من الأمم الماضين وقليل من هذه الأمة.
وبما تقدم يظهر أن قول بعضهم: إن المراد بالأولين والآخرين أولوا هذه الأمة وآخروها غير سديد.
قوله تعالى:"على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين"الوضن النسج وقيل: نسج الدرع وإطلاقه على نسج السرر استعارة يراد بها إحكام نسجها.
وقوله:"متكئين عليها"حال من الضمير العائد إلى المقربين والضمير للسرر ، وقوله:"متقابلين"حال آخر منه أو من ضمير"متكئين"وتقابلهم كناية عن بلوغ أنسهم وحسن عشرتهم وصفاء باطنهم فلا ينظرون في قفاء صاحبهم ولا يعيبونه ولا يغتابونه.
والمعنى: هم أي المقربون مستقرون على سرر منسوجة حال كونهم متكئين عليها حال كونهم متقابلين.
قوله تعالى:"يطوف عليهم ولدان مخلدون"الولدان جمع ولد وهو الغلام ، وطوافهم عليهم كناية عن خدمتهم لهم ، والمخلدون من الخلود بمعنى الدوام أي باقون أبدا على هيئتهم من حداثة السن ، وقيل من الخلد بفتحتين وهو القرط ، والمراد أنهم مقرطون بالخلد.
قوله تعالى:"بأكواب وأباريق وكأس من معين"الأكواب جمع كوب وهو الإناء الذي لا عروة له ولا خرطوم ، والأباريق جمع إبريق وهو الإناء الذي له خرطوم ، وقيل: عروة وخرطوم معا ، والكأس معروف ، قيل: أفرد الكأس لأنها لا تسمى كأسا إلا إذا كانت ممتلئة ، والمراد بالمعين الخمر المعين وهو الظاهر للبصر الجاري.
قوله تعالى:"لا يصدعون عنها ولا ينزفون"أي لا يأخذهم صداع لأجل خمار يحصل من الخمر كما في خمر الدنيا ولا يزول عقلهم بالسكر الحاصل منها.
قوله تعالى:"و فاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون"الفاكهة والطير معطوفان على قوله:"بأكواب"، والمعنى: يطوف عليهم الولدان بفاكهة مما يختارون وبلحم طير مما يشتهون.
ولا يستشكل بما ورد في الروايات أن أهل الجنة إذا اشتهوا فاكهة تدلى إليهم غصن شجرتها بما لها من ثمرة فيتناولونها ، وإذا اشتهوا لحم طير وقع مقليا مشويا في أيديهم فيأكلون منها ما أرادوا ثم حيي وطار.
وذلك لأن لهم ما شاءوا ومن فنون التنعم تناول ما يريدونه من أيدي خدمهم وخاصة حال اجتماعهم واحتفالهم كما أن من فنونه تناولهم أنفسهم من غير توسيط خدمهم فيه.
قوله تعالى:"و حور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون"مبتدأ محذوف الخبر على ما يفيده السياق والتقدير ولهم حور عين أو وفيها حور عين والحور العين نساء الجنة وقد تقدم معنى الحور العين في تفسير سورة الدخان.
وقوله:"كأمثال اللؤلؤ المكنون"أي اللؤلؤ المصون المخزون في الصدف لم تمسه الأيدي فهو منته في صفائه.
قوله تعالى:"جزاء بما كانوا يعملون"قيد لجميع ما تقدم وهو مفعول له ، والمعنى: فعلنا بهم ما فعلنا ليكون جزاء لهم قبال ما كانوا يستمرون عليه من العمل الصالح.
قوله تعالى:"لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما"اللغو من القول ما لا فائدة فيه ولا أثر يترتب عليه ، والتأثيم النسبة إلى الإثم أي لا يخاطب أحدهم صاحبه بما لا فائدة فيه ولا ينسبه إلى الإثم إذ لا إثم هناك ، وفسر بعضهم التأثيم بالكذب.
قوله تعالى:"إلا قيلا سلاما سلاما"استثناء منقطع من اللغو والتأثيم ، والقيل مصدر كالقول ، و"سلاما"بيان لقوله:"قيلا"وتكراره يفيد تكرر الوقوع ، والمعنى: إلا قولا هو السلام بعد السلام.
قيل: ويمكن أن يكون"سلاما"مصدرا بمعنى الوصف وصفة لقيلا ، والمعنى: إلا قولا هو سالم.