و أما الغلبة من حيث طبيعة الإيمان بالله ورسوله فإن إيمان المؤمن يدعوه إلى الدفاع والذب عن الحق والمقاومة تجاه الباطل مطلقا وهو يرى أنه إن قتل فاز وإن قتل فاز فثباته على الدفاع غير مقيد بقيد ولا محدود بحد وهذا بخلاف من يدافع لا عن الحق بما هو حق بل عن شيء من المقاصد الدنيوية فإنه إنما يدافع لأجل نفسه فلو شاهد نفسه مشرفة على هلكة أو راكبة مخاطرة تولى منهزما فهو إنما يدافع على شرط وإلى حد وهو سلامة النفس وعدم الإشراف على الهلكة ومن الضروري أن العزيمة المطلقة تغلب العزيمة المقيدة بقيد المحدودة بحد ومن الشاهد عليه غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بما أدت إليه من الفتح والظفر في عين أنها كانت سجالا لكن لم تنته إلا إلى تقدم المسلمين وغلبتهم.
ولم تقف الفتوحات الإسلامية ولا تفرقت جموع المسلمين أيادي سبإ إلا بفساد نياتهم وتبديل سيرة التقوى والإخلاص لله وبسط الدين الحق من بسط السلطة وتوسعة المملكة"ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"1 وقد اشترط الله عليهم حين أكمل دينهم وأمنهم من عدوهم أن يخشوه إذ قال:"اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون".
ويكفي في تسجيل هذه الغلبة قوله تعالى فيما يخاطب المؤمنين:"و لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين": آل عمران: 139.
قوله تعالى:"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم"إلخ ، نفي وجدان قوم على هذه الصفة كناية عن أن الإيمان الصادق بالله واليوم الآخر لا يجامع موادة أهل المحادة والمعاندة من الكفار ولو قارن أي سبب من أسباب المودة كالأبوة والبنوة والأخوة وسائر أقسام القرابة فبين الإيمان وموادة أهل المحادة تضاد لا يجتمعان لذلك.
وقد بان أن قوله:"و لو كانوا آباءهم"إلخ ، إشارة إلى أسباب المودة مطلقا وقد خصت مودة النسب بالذكر لكونه أقوى أسباب المودة من حيث ثباته وعدم تغيره.
وقوله:"أولئك كتب في قلوبهم الإيمان"الإشارة إلى القوم بما ذكر لهم من الصفة ، والكتابة الإثبات بحيث لا يتغير ولا يزول والضمير لله وفيه نص على أنهم مؤمنون حقا.
وقوله:"و أيدهم بروح منه"التأييد التقوية ، وضمير الفاعل في"أيدهم"لله تعالى وكذا ضمير منه ومن ابتدائية ، والمعنى: وقواهم الله بروح من عنده تعالى ، وقيل: الضمير للإيمان ، والمعنى: وقواهم الله بروح من جنس الإيمان يحيي بها قلوبهم ، ولا بأس به.
وقيل: المراد بالروح جبرائيل ، وقيل: القرآن ، وقيل: المراد بها الحجة والبرهان ، وهذه وجوه ضعيفة لا شاهد لها من جهة اللفظ.
ثم الروح - على ما يتبادر من معناها - هي مبدأ الحياة التي تترشح منها القدرة والشعور فإبقاء قوله:"و أيدهم بروح منه"على ظاهره يفيد أن للمؤمنين وراء الروح البشرية التي يشترك فيها المؤمن والكافر روحا أخرى تفيض عليهم حياة أخرى وتصاحبها قدرة وشعور جديدان ، وإلى ذلك يشير قوله تعالى:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122 ، وقوله:"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة": النحل: 97.
وما في الآية من طيب الحياة يلازم طيب أثرها وهو القدرة والشعور المتفرع عليهما الأعمال الصالحة ، وهما المعبر عنهما في آية الأنعام المذكورة آنفا بالنور ونظيرها قوله:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به": الحديد: 28.
وهذه حياة خاصة كريمة لها آثار خاصة ملازمة لسعادة الإنسان الأبدية وراء الحياة المشتركة بين المؤمن والكافر التي لها آثار مشتركة فلها مبدأ خاص وهو روح الإيمان التي تذكرها الآية وراء الروح المشتركة بين المؤمن والكافر.
وعلى هذا فلا موجب لما ذكروا أن المراد بالروح نور القلب وهو نور العلم الذي يحصل به الطمأنينة وأن تسميته روحا مجاز مرسل لأنه سبب للحياة الطيبة الأبدية أو من الاستعارة لأنه في ملازمته وجوه العلم الفائض على القلب - والعلم حياة القلب كما أن الجهل موته - يشبه الروح المفيض للحياة.
انتهى.