و قوله:"و يدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها"وعد جميل ووصف لحياتهم الآخرة الطيبة.
وقوله:"رضي الله عنهم ورضوا عنه"استئناف يعلل قوله:"و يدخلهم جنات"إلخ ، ورضا الله سبحانه عنهم رحمته لهم لإخلاصهم الإيمان له ورضاهم عنه وابتهاجهم بما رزقهم من الحياة الطيبة والجنة.
وقوله:"أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون"تشريف لهؤلاء المخلصين في إيمانهم بأنهم حزبه تعالى كما أن أولئك المنافقين الموالين لأعداء الله حزب الشيطان وهؤلاء مفلحون كما أن أولئك خاسرون.
وفي قوله:"ألا إن حزب الله"وضع الظاهر موضع الضمير ليجري الكلام مجرى المثل السائر.
في المجمع ،: في قوله تعالى:"كتب الله لأغلبن أنا ورسلي"روي أن المسلمين قالوا لما رأوا ما يفتح الله عليهم من القرى: ليفتحن الله علينا الروم وفارس فقال المنافقون: أ تظنون أن فارس والروم كبعض القرى التي غلبتم عليها؟ فأنزل الله هذه الآية.
أقول: الظاهر أنه من قبيل تطبيق الآية على القصة ونظائره كثيرة ، ولذا ورد: في قوله تعالى:"لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر"إنه نزل في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم بدر ، وفي بعضها: أنه نزل في أبي بكر سب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فصكه أبو بكر صكة سقط على الأرض فنزلت الآية. وفي عبد الرحمن بن ثابت بن قيس بن الشماس استأذن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يزور خاله من المشركين فأذن له فلما قدم قرأ عليه النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن حوله من المسلمين الآية.
وهذه روايات لا يلائمها ما في الآيات من الاتصال الظاهر.
وفي الدر المنثور ، أخرج الطيالسي وابن أبي شيبة عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.
وفي الكافي ، بإسناده إلى أبان بن تغلب عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ما من مؤمن إلا ولقلبه أذنان في جوفه: أذن ينفث فيها الوسواس الخناس وأذن ينفث فيها الملك فيؤيد الله المؤمن بالملك فذلك قوله:"و أيدهم بروح منه".
أقول: ليس معناه تفسير الروح بالملك بل الملك يصاحب الروح ويعمل به ، قال تعالى:"ينزل الملائكة بالروح من أمره": النحل: 2.
وفيه ، بإسناده إلى ابن بكير قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام) : في قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إذا زنا الرجل فارقه روح الإيمان. قال: هو قوله:"و أيدهم بروح منه"ذلك الذي يفارقه.
وفيه ، بإسناده إلى محمد بن سنان عن أبي خديجة قال: دخلت على أبي الحسن (عليه السلام) فقال لي: إن الله تبارك وتعالى أيد المؤمن بروح تحضره في كل وقت يحسن فيه ويتقي وتغيب عنه في كل وقت يذنب فيه ويعتدي فهي معه تهتز سرورا عند إحسانه وتسيخ في الثرى عند إساءته ، فتعاهدوا عباد الله نعمه بإصلاحكم أنفسكم تزدادوا يقينا وتربحوا نفيسا ثمينا ، رحم الله امرءا هم بخير فعمله أو هم بشر فارتدع عنه. ثم قال: نحن نؤيد الروح بالطاعة لله والعمل له.
أقول: قد تبين مما تقدم في ذيل الآية أن هذه الروح من مراتب الروح الإنساني ينالها المؤمن عند ما يستكمل الإيمان فليست مفارقة له كما أن الروح النباتية والحيوانية والإنسانية المشتركة بين المؤمن والكافر من مراتب روحه غير مفارقة له غير أنها تبتدىء هيئة حسنة في النفس ربما زالت لعروض هيئة سيئة تضادها ثم ترجع إذا زالت الموانع المضادة حتى إذا استقرت ورسخت وتصورت النفس بها ثبتت ولم تتغير.
وبذلك يظهر أن المراد بقوله (عليه السلام) : بروح تحضره ، وقوله: فهي معه ، حضور صورتها حضور الهيأة العارضة القابلة للزوال ، وبقوله: تسيخ في الثرى زوال الهيأة على طريق الاستعارة ، وكذا قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الرواية السابقة: فارقه روح الإيمان.