فهرس الكتاب

الصفحة 3973 من 4314

ثم أشار تعالى إلى أهمية إخراجهم بقوله:"ما ظننتم أن يخرجوا"لما كنتم تشاهدون فيهم من القوة والشدة والمنعة"و ظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله"فلن يغلبهم الله وهم متحصنون فيها وعد حصونهم بحسب ظنهم مانعة من الله لا من المسلمين لما أن إخراجهم منها منسوب في الآية السابقة إليه تعالى وكذا إلقاء الرعب في قلوبهم في ذيل الآية ، وفي الكلام دلالة على أنه كانت لهم حصون متعددة.

ثم ذكر فساد ظنهم وخبطهم في مزعمتهم بقوله:"فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا"والمراد به نفوذ إرادته تعالى فيهم لا من طريق احتسبوه وهو طريق الحصون والأبواب بل من طريق باطنهم وهو طريق القلوب"و قذف في قلوبهم الرعب"والرعب الخوف الذي يملأ القلب"يخربون بيوتهم بأيديهم"لئلا تقع في أيدي المؤمنين بعد خروجهم وهذه من قوة سلطانه تعالى عليهم حيث أجرى ما أراده بأيدي أنفسهم"و أيدي المؤمنين"حيث أمرهم بذلك ووفقهم لامتثال أمره وإنفاذ إرادته"فاعتبروا"وخذوا بالعظة"يا أولي الأبصار"بما تشاهدون من صنع الله العزيز الحكيم بهم قبال مشاقتهم له ولرسوله.

وقيل: كانوا يخربون البيوت ليهربوا ويخربها المؤمنون ليصلوا.

وقيل: المراد بتخريب البيوت اختلال نظام حياتهم فقد خربوا بيوتهم بأيديهم حيث نقضوا الموادعة ، وبأيدي المؤمنين حيث بعثوهم على قتالهم.

وفيه أن ظاهر قوله:"يخربون بيوتهم"إلخ أنه بيان لقوله:"فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا"إلخ ، من حيث أثره فهو متأخر عن نقض الموادعة.

قوله تعالى:"و لو لا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار"الجلاء ترك الوطن وكتابة الجلاء عليهم قضاؤه في حقهم ، والمراد بعذابهم في الدنيا عذاب الاستئصال أو القتل والسبي.

والمعنى: ولو لا أن قضى الله عليهم الخروج من ديارهم وترك وطنهم لعذبهم في الدنيا بعذاب الاستئصال أو القتل والسبي كما فعل ببني قريظة ولهم في الآخرة عذاب النار.

قوله تعالى:"ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب"المشاقة المخالفة بالعناد ، والإشارة بذلك إلى ما ذكر من إخراجهم واستحقاقهم العذاب لو لم يكتب عليهم الجلاء ، وفي تخصيص مشاقتهم بالله في قوله:"و من يشاق الله"بعد تعميمه لله ورسوله في قوله:"شاقوا الله ورسوله"تلويح إلى أن مشاقة الرسول مشاقة الله والباقي ظاهر.

قوله تعالى:"ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين"ذكر الراغب أن اللينة النخلة الناعمة من دون اختصاص منه بنوع منها دون نوع ، رووا: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر بقطع نخيلهم فلما قطع بعضها نادوه: يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد في الأرض فما بال النخيل تقطع فنزلت الآية فأجيب عن قولهم بأن ما قطعوا من نخلة أو تركوها قائمة على أصولها فبإذن الله ولله في حكمه هذا غايات حقة وحكم بالغة منها إخزاء الفاسقين وهم بنو النضير.

فقوله:"و ليخزي الفاسقين"اللام فيه للتعليل وهو معطوف على محذوف والتقدير: القطع والترك بإذن الله ليفعل كذا وكذا وليخزي الفاسقين فهو كقوله:"و كذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين": الأنعام: 75.

قوله تعالى:"و ما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء"إلخ ، الإفاءة الإرجاع من الفيء بمعنى الرجوع ، وضمير"منهم"لبني النضير والمراد من أموالهم.

وإيجاف الدابة تسييرها بإزعاج وإسراع والخيل الفرس ، والركاب الإبل و"من خيل ولا ركاب"مفعول"فما أوجفتم"ومن زائدة للاستغراق.

والمعنى: والذي أرجعه الله إلى رسوله من أموال بني النضير - خصه به وملكه وحده إياه - فلم تسيروا عليه فرسا ولا إبلا بالركوب حتى يكون لكم فيه حق بل مشيتم إلى حصونهم مشاة لقربها من المدينة ، ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير وقد سلط النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على بني النضير فله فيئهم يفعل فيه ما يشاء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت