قوله تعالى:"ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل"إلخ ، ظاهره أنه بيان لموارد مصرف الفيء المذكور في الآية السابقة مع تعميم الفيء لفيء أهل القرى أعم من بني النضير وغيرهم.
وقوله:"فلله وللرسول"أي منه ما يختص بالله والمراد به صرفه وإنفاقه في سبيل الله على ما يراه الرسول ومنه ما يأخذه الرسول لنفسه ولا يصغى إلى قول من قال: إن ذكره تعالى مع أصحاب السهام لمجرد التبرك.
وقوله:"و لذي القربى"إلخ ، المراد بذي القربى قرابة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولا معنى لحمله على قرابة عامة المؤمنين وهو ظاهر ، والمراد باليتامى الفقراء منهم كما يشعر به السياق وإنما أفرد وقدم على"المساكين"مع شموله له اعتناء بأمر اليتامى.
وقد ورد عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بذي القربى أهل البيت واليتامى والمساكين وابن السبيل منهم.
وقوله:"كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم"أي إنما حكمنا في الفيء بما حكمنا كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم والدولة ما يتداول بين الناس ويدور يدا بيد.
وقوله:"و ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا"أي ما أعطاكم الرسول من الفيء فخذوه كما أعطى منه المهاجرين ونفرا من الأنصار ، وما نهاكم عنه ومنعكم فانتهوا ولا تطلبوا ، وفيه إشعار بأنهم سألوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يقسم الفيء بينهم جميعا فأرجعه إلى نبيه وجعل موارد مصرفه ما ذكره في الآية وجعل للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينفقه فيها على ما يرى.
والآية مع الغض عن السياق عامة تشمل كل ما آتاه النبي من حكم فأمر به أو نهى عنه.
وقوله:"و اتقوا الله إن الله شديد العقاب"تحذير لهم عن مخالفة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تأكيدا لقوله:"و ما آتاكم الرسول"إلخ.
قوله تعالى:"للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا"إلخ ، قيل: إن قوله:"للفقراء"بدل من قوله:"ذي القربى"وما بعده وذكر الله لمجرد التبرك فيكون الفيء مختصا بالرسول والفقراء من المهاجرين ، وقد وردت الرواية أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قسم فيء بني النضير بين المهاجرين ولم يعط منه الأنصار شيئا إلا رجلين من فقرائهم أو ثلاثة.
وقيل: إنه بدل من اليتامى والمساكين وابن السبيل فيكون ذوو السهام هم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وذا القربى غنيهم وفقيرهم والفقراء من المهاجرين يتاماهم ومساكينهم وأبناء السبيل منهم ، ولعل هذا مراد من قال: إن قوله:"للفقراء المهاجرين"بيان المساكين في الآية السابقة.
والأنسب لما تقدم نقله عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن يكون قوله:"للفقراء المهاجرين"إلخ ، بيان مصداق لصرف سبيل الله الذي أشير إليه بقوله:"فلله"لا بأن يكون الفقراء المهاجرون أحد السهماء في الفيء بل بأن يكون صرفه فيهم وإعطاؤهم إياه صرفا له في سبيل الله.
ومحصل المعنى على هذا: أن الله سبحانه أفاء الفيء وأرجعه إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فله أن يتصرف فيه كيف يشاء ثم دله على موارد صرفه وهي سبيل الله والرسول وذو القربى ويتاماهم ومساكينهم وابن السبيل منهم ثم أشار إلى مصداق الصرف في السبيل أو بعض مصاديقه وهم الفقراء المهاجرون إلخ ، ينفق منه الرسول لهم على ما يرى.
وعلى هذا ينبغي أن يحمل ما ورد أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قسم فيء بني النضير بين المهاجرين ولم يعط الأنصار شيئا إلا ثلاثة من فقرائهم: أبا دجانة سماك بن خرشة وسهل بن حنيف والحارث بن الصمة فقد صرف فيهم بما أنه صرف في سبيل الله لا بما أنهم سهماء في الفيء.
وكيف كان فقوله:"للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم"المراد بهم من هاجر من المسلمين من مكة إلى المدينة قبل الفتح وهم الذين أخرجهم كفار مكة بالاضطرار إلى الخروج فتركوا ديارهم وأموالهم وهاجروا إلى مدينة الرسول.
وقوله:"يبتغون فضلا من الله ورضوانا"الفضل الرزق أي يطلبون من الله رزقا في الدنيا ورضوانا في الآخرة.