فهرس الكتاب

الصفحة 3982 من 4314

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد"إلى آخر الآية ، أمر للمؤمنين بتقوى الله وبأمر آخر وهو النظر في الأعمال التي قدموها ليوم الحساب أ هي صالحة فليرج بها ثواب الله أو طالحة فليخش عقاب الله عليها ويتدارك بالتوبة والإنابة وهو محاسبة النفس.

أما التقوى وقد فسر في الحديث بالورع عن محارم الله فحيث تتعلق بالواجبات والمحرمات جميعا كانت هي الاجتناب عن ترك الواجبات وفعل المحرمات.

وأما النظر فيما قدمت النفس لغد فهو أمر آخر وراء التقوى نسبته إلى التقوى كنسبة النظر الإصلاحي ثانيا من عامل في عمله أو صانع فيما صنعه لتكميله ورفع نواقصه التي غفل عنها أو أخطأ فيها حين العمل والصنع.

فعلى المؤمنين جميعا أن يتقوا الله فيما وجه إليهم من التكاليف فيطيعوه ولا يعصوه ثم ينظروا فيما قدموه من الأعمال التي يعيشون بها في غد بعد ما حوسبوا بها أ صالح فيرجى ثوابه أم طالح فيخاف عقابه فيتوبوا إلى الله ويستغفروه.

وهذا تكليف عام يشمل كل مؤمن لحاجة الجميع إلى إصلاح العمل وعدم كفاية نظر بعضهم عن نظر الآخرين غير أن القائم به من أهل الإيمان في نهاية القلة بحيث يكاد يلحق بالعدم وإلى ذلك يلوح لفظ الآية"و لتنظر نفس".

فقوله:"و لتنظر نفس ما قدمت لغد"خطاب عام لجميع المؤمنين لكن لما كان المشتغل بهذا النظر من بين أهل الإيمان بل من بين أهل التقوى منهم في غاية القلة بل يكاد يلحق بالعدم لاشتغالهم بأعراض الدنيا واستغراق أوقاتهم في تدبير المعيشة وإصلاح أمور الحياة ألقى الخطاب في صورة الغيبة وعلقه بنفس ما منكرة فقال:"و لتنظر نفس"وفي هذا النوع من الخطاب مع كون التكليف عاما بحسب الطبع عتاب وتقريع للمؤمنين مع التلويح إلى قلة من يصلح لامتثاله منهم.

وقوله:"ما قدمت لغد"استفهام من ماهية العمل الذي قدمت لغد وبيان للنظر ، ويمكن أن تكون"ما"موصولة وهي وصلتها متعلقا بالنظر.

والمراد بغد يوم القيامة وهو يوم حساب الأعمال وإنما عبر عنه بغد للإشارة إلى قربه منهم كقرب الغد من أمسه ، قال تعالى:"إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا": المعارج: 7.

والمعنى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله بطاعته في جميع ما يأمركم به وينهاكم عنه ، ولتنظر نفس منكم فيما عملته من عمل ولتر ما الذي قدمته من عملها ليوم الحساب أ هو عمل صالح أو طالح وهل عملها الصالح صالح مقبول أو مردود.

وقوله:"و اتقوا الله إن الله خبير بما تعملون"أمر بالتقوى ثانيا و"إن الله خبير"إلخ ، تعليل له وتعليل هذه التقوى بكونه تعالى خبيرا بالأعمال يعطي أن المراد بهذه التقوى المأمور بها ثانيا هي التقوى في مقام المحاسبة والنظر فيها من حيث إصلاحها وإخلاصها لله سبحانه وحفظها عما يفسدها ، وأما قوله في صدر الآية:"اتقوا الله"فالمراد به التقوى في أصل إتيان الأعمال بقصرها في الطاعات وتجنب المعاصي.

ومن هنا تبين أن المراد بالتقوى في الموضعين مختلف فالأولى هي التقوى في أصل إتيان الأعمال ، والثانية هي التقوى في الأعمال المأتية من حيث إصلاحها وإخلاصها.

وظهر أيضا أن قول بعضهم: إن الأولى للتوبة عما مضى من الذنوب والثانية لاتقاء المعاصي في المستقبل غير سديد ومثله ما قيل: إن الأولى في أداء الواجبات والثانية في ترك المحرمات ، ومثله ما قيل: إن الأمر الثاني لتأكيد الأمر الأول فحسب.

قوله تعالى:"و لا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم"إلخ ، النسيان زوال صورة المعلوم عن النفس بعد حصولها فيها مع زوال مبدئه ويتوسع فيه مطلق على مطلق الإعراض عن الشيء بعدم ترتيب الأثر عليه قال تعالى:"و قيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا ومأواكم النار وما لكم من ناصرين": الجاثية: 34.

والآية بحسب لب معناها كالتأكيد لمضمون الآية السابقة كأنه قيل: قدموا ليوم الحساب والجزاء عملا صالحا تحيى به أنفسكم ولا تنسوه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت