ثم لما كان سبب نسيان النفس نسيان الله تعالى إذ بنسيانه تعالى تنسى أسماؤه الحسنى وصفاته العليا التي ترتبط بها صفات الإنسان الذاتية من الذلة والفقر والحاجة فيتوهم الإنسان نفسه مستقلة في الوجود ويخيل إليه أن له لنفسه حياة وقدرة وعلما وسائر ما يتراءى له من الكمال ونظراؤه في الاستقلال سائر الأسباب الكونية الظاهرية تؤثر فيه وتتأثر عنه.
وعند ذلك يعتمد على نفسه وكان عليه أن يعتمد على ربه ويرجو ويخاف الأسباب الظاهرية وكان عليه أن يرجو ويخاف ربه ، يطمئن إلى غير ربه وكان عليه أن يطمئن إلى ربه.
وبالجملة ينسى ربه والرجوع إليه ويعرض عنه بالإقبال إلى غيره ، ويتفرع عليه أن ينسى نفسه فإن الذي يخيل إليه من نفسه أنه موجود مستقل الوجود يملك ما ظهر فيه من كمالات الوجود وإليه تدبير أمره مستمدا مما حوله من الأسباب الكونية وليس هذا هو الإنسان بل الإنسان موجود متعلق الوجود جهل كله عجز كله ذلة كله فقر كله وهكذا ، وما له من الكمال كالوجود والعلم والقدرة والعزة والغنى وهكذا فلربه وإلى ربه انتهاؤه ونظراؤه في ذلك سائر الأسباب الكونية.
والحاصل لما كان سبب نسيان النفس نسيان الله تعالى حول النهي عن نسيان النفس في الآية إلى النهي عن نسيانه تعالى لأن انقطاع المسبب بانقطاع سببه أبلغ وآكد ، ولم يقنع بمجرد النهي الكلي عن نسيانه بأن يقال: ولا تنسوا الله فينسيكم أنفسكم بل جرى بمثل إعطاء الحكم بالمثال ليكون أبلغ في التأثير وأقرب إلى القبول فنهاهم أن يكونوا كالذين نسوا الله مشيرا به إلى من تقدم ذكرهم من يهود بني النضير وبني قينقاع ومن حاله حالهم في مشاقة الله ورسوله.
فقال:"و لا تكونوا كالذين نسوا الله"ثم فرع عليه قوله:"فأنساهم أنفسهم"تفريع المسبب على سببه ثم عقبه بقوله:"أولئك هم الفاسقون"فدل على أنهم فاسقون حقا خارجون عن زي العبودية.
والآية وإن كانت تنهى عن نسيانه تعالى المتفرع عليه نسيان النفس لكنها بورودها في سياق الآية السابقة تأمر بذكر الله ومراقبته.
فقد بان من جميع ما تقدم في الآيتين أن الآية الأولى تأمر بمحاسبة النفس والثانية تأمر بالذكر والمراقبة.
قوله تعالى:"لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون"قال الراغب: الفوز الظفر بالخير مع حصول السلامة انتهى.
والسياق يشهد بأن المراد بأصحاب النار هم الناسون لله وبأصحاب الجنة هم الذاكرون لله المراقبون.
والآية حجة تامة على وجوب اللحوق بالذاكرين لله المراقبين له دون الناسين ، تقريرها أن هناك قبيلين لا ثالث لهما وهما الذاكرون لله والناسون له لا بد للإنسان أن يلحق بأحدهما وليسا بمساويين حتى يتساوى اللحوقان ولا يبالي الإنسان بأيهما لحق؟ بل هناك راجح ومرجوح يجب اختيار الراجح على المرجوح والرجحان لقبيل الذاكرين لأنهم الفائزون لا غير فالترجيح لجانبهم فمن الواجب لكل نفس أن يختار اللحوق بقبيل الذاكرين.
قوله تعالى:"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله"إلخ ، في المجمع ،: التصدع التفرق بعد التلاؤم ومثله التفطر انتهى.
والكلام مسوق سوق المثل مبني على التخييل والدليل عليه قوله في ذيل الآية:"و تلك الأمثال نضربها للناس"إلخ.
والمراد تعظيم أمر القرآن بما يشتمل عليه من حقائق المعارف وأصول الشرائع والعبر والمواعظ والوعد والوعيد وهو كلام الله العظيم ، والمعنى: لو كان الجبل مما يجوز أن ينزل عليه القرآن فأنزلناه عليه لرأيته - مع ما فيه من الغلظة والقسوة وكبر الجسم وقوة المقاومة قبال النوازل - متأثرا متفرقا من خشية الله فإذا كان هذا حال الجبل بما هو عليه فالإنسان أحق بأن يخشع لله إذا تلاه أو تلي عليه ، وما أعجب حال أهل المشاقة والعناد لا تلين قلوبهم له ولا يخشعون ولا يخشون.
والالتفات من التكلم مع الغير إلى الغيبة في قوله:"من خشية الله"للدلالة على علة الحكم فإنما يخشع ويتصدع الجبل بنزول القرآن لأنه كلام الله عز اسمه.
وقوله:"و تلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون"من وضع الحكم الكلي موضع الجزئي للدلالة على أن الحكم ليس ببدع في مورده بل جار سار في موارد أخرى كثيرة.