فقوله:"لو أنزلنا هذا القرآن على جبل"إلخ ، مثل ضربه الله للناس في أمر القرآن لتقريب عظمته وجلالة قدره بما أنه كلام لله تعالى وبما يشتمل عليه من المعارف رجاء أن يتفكر فيه الناس فيتلقوا القرآن بما يليق به من التلقي ويتحققوا بما فيه من الحق الصريح ويهتدوا إلى ما يهدي إليه من طريق العبودية التي لا طريق إلى كمالهم وسعادتهم وراءها ، ومن ذلك ما ذكر في الآيات السابقة من المراقبة والمحاسبة.
قوله تعالى:"هو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم"هذه الآية والآيتان بعدها وإن كانت مسوقة لتعداد قبيل من أسمائه تعالى الحسنى والإشارة إلى تسميته تعالى بكل اسم أحسن وتنزهه بشهادة ما في السماوات والأرض لكنها بانضمامها إلى ما مر من الأمر بالذكر تفيد أن على الذاكرين أن يذكروه بأسمائه الحسنى فيعرفوا أنفسهم بما يقابلها من أسماء النقص ، فافهم ذلك.
وبانضمامها إلى الآية السابقة وما فيها من قوله:"من خشية الله"تفيد تعليل خشوع الجبل وتصدعه من خشية الله كأنه قيل: وكيف لا وهو الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ، إلى آخر الآيات.
وقوله:"هو الله الذي لا إله إلا هو"يفيد الموصول والصلة معنى اسم من أسمائه وهو وحدانيته تعالى في ألوهيته ومعبوديته ، وقد تقدم بعض ما يتعلق بالتهليل في تفسير قوله تعالى:"و إلهكم إله واحد لا إله إلا هو": البقرة: 163.
وقوله:"عالم الغيب والشهادة"الشهادة هي المشهود الحاضر عند المدرك والغيب خلافها وهما معنيان إضافيان فمن الجائز أن يكون شيء شهادة بالنسبة إلى شيء وغيبا بالنسبة إلى آخر ويدور الأمر مدار نوع من الإحاطة بالشيء حسا أو خيالا أو عقلا أو وجودا وهو الشهادة وعدمها وهو الغيب ، وكل ما فرص من غيب أو شهادة فهو من حيث هو محاط له تعالى معلوم فهو تعالى عالم الغيب والشهادة وغيره لا علم له بالغيب لمحدودية وجوده وعدم إحاطته إلا ما علمه تعالى كما قال:"عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول": الجن: 27 ، وأما هو تعالى فغيب على الإطلاق لا سبيل إلى الإحاطة به لشيء أصلا كما قال:"و لا يحيطون به علما".
وقوله:"هو الرحمن الرحيم"قد تقدم الكلام في معنى الاسمين في تفسير سورة الفاتحة.
قوله تعالى:"هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر"إلخ ، الملك هو المالك لتدبير أمر الناس والحكم فيهم ، والقدوس مبالغة في القدس وهو النزاهة والطهارة ، والسلام من يلاقيك بالسلام والعافية من غير شر وضر ، والمؤمن الذي يعطي الأمن ، والمهيمن الفائق المسيطر على الشيء.
والعزيز الغالب الذي لا يغلبه شيء أو من عنده ما عند غيره من غير عكس ، والجبار مبالغة من جبر الكسر أو الذي تنفذ إرادته ويجبر على ما يشاء ، والمتكبر الذي تلبس بالكبرياء وظهر بها.
وقوله:"سبحان الله عما يشركون"ثناء عليه تعالى كما في قوله:"و قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه": البقرة: 116.
قوله تعالى:"هو الله الخالق البارىء المصور"إلى آخر الآية ، الخالق هو الموجد للأشياء عن تقدير ، والبارىء المنشىء للأشياء ممتازا بعضها من بعض ، والمصور المعطي لها صورا يمتاز بها بعضها من بعض ، والأسماء الثلاثة تتضمن معنى الإيجاد باعتبارات مختلفة وبينها ترتب فالتصوير فرع البرء والبرء فرع الخلق وهو ظاهر.
وإنما صدر الآيتين السابقتين بقوله:"الذي لا إله إلا هو"فوصف به"الله"وعقبه بالأسماء بخلاف هذه الآية إذ قال:"هو الله الخالق"إلخ.
لأن الأسماء الكريمة المذكورة في الآيتين السابقتين وهي أحد عشر اسما من لوازم الربوبية ومالكية التدبير التي تتفرع عليها الألوهية والمعبودية بالحق وهي على نحو الأصالة والاستقلال لله سبحانه وحده لا شريك له في ذلك فاتصافه تعالى وحده بها يستوجب اختصاص الألوهية واستحقاق المعبودية به تعالى.
فالأسماء الكريمة بمنزلة التعليل لاختصاص الألوهية به تعالى كأنه قيل لا إله إلا هو لأنه عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم ، ولذا أيضا ذيل هذه الأسماء بقوله ثناء عليه:"سبحان الله عما يشركون"ردا على القول بالشركاء كما يقوله المشركون.