فهرس الكتاب

الصفحة 3990 من 4314

و قد افتتحوا دعاءهم بتقدمة يذكرون فيها حالهم فيما هم فيه من التبري من أعداء الله فقالوا:"ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا"يعنون به أنا كنا في موقف من الحياة تتمكن فيه أنفسنا وندبر فيه أمورنا أما أنفسنا فأنبنا ورجعنا بها إليك وهو الإنابة ، وأما أمورنا التي كان علينا تدبيرها فتركناها لك وجعلنا مشيتك مكان مشيتنا فأنت وكيلنا فيها تدبرها بما تشاء وكيف تشاء وهو التوكل.

ثم قالوا:"و إليك المصير"يعنون به أن مصير كل شيء من فعل أو فاعل فعل إليك فقد جرينا في توكلنا عليك وإنابتنا إليك مجرى ما عليه حقيقة الأمر من مصير كل شيء إليك حيث هاجرنا بأنفسنا إليك وتركنا تدبير أمورنا لك.

وقوله:"ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا واغفر لنا ربنا"متن دعائهم يسألونه تعالى أن يعيذهم من تبعة تبريهم من الكفار ويغفر لهم.

والفتنة ما يمتحن به ، والمراد بجعلهم فتنة للذين كفروا تسليط الكفار عليهم ليمتحنهم فيخرجوا ما في وسعهم من الفساد فيؤذوهم بأنواع الأذى أن آمنوا بالله ورفضوا آلهتهم وتبرءوا منهم ومما يعبدون.

وقد كرروا نداءه تعالى - ربنا - في دعائهم مرة بعد مرة لإثارة الرحمة الإلهية.

وقوله:"إنك أنت العزيز الحكيم"أي غالب غير مغلوب متقن لأفعاله لا يعجز أن يستجيب دعاءهم فيحفظهم من كيد أعدائه ويعلم بأي طريق يحفظ.

وللمفسرين في تفسير الآيتين أنظار مختلفة أخرى أغمضنا عن إيرادها رعاية للاختصار من أرادها فليراجع المطولات.

قوله تعالى:"لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان يرجوا الله واليوم الآخر"إلخ ، تكرار حديث الأسوة لتأكيد الإيجاب ولبيان أن هذه الأسوة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ، وأيضا أنهم كما يتأسى بهم في تبريهم من الكفار كذلك يتأسى بهم في دعائهم وابتهالهم.

والظاهر أن المراد برجائه تعالى رجاء ثوابه بالإيمان به وبرجاء اليوم الآخر رجاء ما وعد الله وأعد للمؤمنين من الثواب ، وهو كناية عن الإيمان.

وقوله:"و من يتول فإن الله هو الغني الحميد"استغناء منه تعالى عن امتثالهم لأمره بتبريهم من الكفار وأنهم هم المنتفعون بذلك والله سبحانه غني في ذاته عنهم وعن طاعتهم حميد فيما يأمرهم وينهاهم إذ ليس في ذلك إلا صلاح حالهم وسعادة حياتهم.

قوله تعالى:"عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم"ضمير"منهم"للكفار الذين أمروا بمعاداتهم وهم كفار مكة ، والمراد بجعل المودة بين المؤمنين وبينهم جعلها بتوفيقهم للإسلام كما وقع ذلك لما فتح الله لهم مكة ، وليس المراد به نسخ حكم المعاداة والتبري.

والمعنى: مرجو من الله أن يجعل بينكم معشر المؤمنين وبين الذين عاديتم من الكفار وهم كفار مكة مودة بتوفيقهم للإسلام فتنقلب المعاداة مودة والله قدير والله غفور لذنوب عباده رحيم بهم إذا تابوا وأسلموا فعلى المؤمنين أن يرجوا من الله أن يبدل معاداتهم مودة بقدرته ومغفرته ورحمته.

قوله تعالى:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم"إلخ ، في هذه الآية والتي تتلوها توضيح للنهي الوارد في أول السورة ، والمراد بالذين لم يقاتلوا المؤمنين في الدين ولم يخرجوهم غير أهل مكة ممن لم يقاتلوهم ولم يخرجوهم من ديارهم من المشركين من أهل المعاهدة ، والبر والإحسان ، والأقساط المعاملة بالعدل ، و"أن تبروهم"بدل من"الذين"إلخ ، وقوله:"إن الله يحب المقسطين"تعليل لقوله:"لا ينهاكم الله"إلخ.

والمعنى: لا ينهاكم الله بقوله:"لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء"عن أن تحسنوا وتعاملوا بالعدل الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم لأن ذلك منكم أقساط والله يحب المقسطين.

قيل: إن الآية منسوخة بقوله:"اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم": التوبة: 5 ، وفيه أن الآية التي نحن فيها لا تشمل بإطلاقها إلا أهل الذمة وأهل المعاهدة وأما أهل الحرب فلا ، وآية التوبة إنما تشمل أهل الحرب من المشركين دون أهل المعاهدة فكيف تنسخ ما لا يزاحمها في الدلالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت