فهرس الكتاب

الصفحة 3989 من 4314

و لم يكن قوله:"لأستغفرن لك"توليا منه بل وعدا وعده إياه رجاء أن يتوب عن الشرك ويؤمن بالله وحده كما يدل عليه قوله تعالى:"و ما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه": التوبة: 114 ، حيث يفيد أنه (عليه السلام) إنما وعده لأنه لم يتبين له بعد أنه عدو لله راسخ في عداوته ثابت في شركه فكان يرجو أن يرجع عن شركه ويطمع في أن يتوب ويؤمن فلما تبين له رسوخ عداوته ويئس من إيمانه تبرأ منه.

على أن قوله تعالى في قصة محاجته أباه في سورة مريم:"قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله": مريم: 48 ، يتضمن وعده أباه بالاستغفار وإخباره بالاعتزال ولو كان وعده الاستغفار توليا منه لأبيه لكان من الحري أن يقول: واعتزل القوم ، لا أن يقول: وأعتزلكم فيدخل أباه فيمن يعتزلهم وليس الاعتزال إلا التبري.

فالاستثناء استثناء متصل من أنهم لم يكلموا قومهم إلا بالتبري والمحصل من المعنى: أنهم إنما ألقوا إليهم القول بالتبري إلا قول إبراهيم لأبيه: لأستغفرن لك فلم يكن تبريا ولا توليا بل وعدا وعده أباه رجاء أن يؤمن بالله.

وهاهنا شيء وهو أن مؤدى آية التوبة"فلما تبين له أنه عدو لله تبرء منه"أن تبريه الجازم إنما كان بعد الوعد وبعد تبين عداوته لله ، وقوله تعالى في الآية التي نحن فيها:"إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم"إخبار عن تبريهم الجازم القاطع فيكون ما وقع في الاستثناء من قول إبراهيم لأبيه وعدا واقعا قبل تبريه الجازم ومن غير جنس المستثنى منه فيكون الاستثناء منقطعا لا متصلا.

وعلى تقدير كون الاستثناء منقطعا يجوز أن يكون الاستثناء من قوله:"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه"بما أنه مقيد بقوله:"إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤا منكم"، والمعنى: قد كان لكم اقتداء حسن بتبري إبراهيم والذين معه من قومهم إلا أن إبراهيم قال لأبيه كذا وكذا وعدا.

وأما على تقدير كون الاستثناء متصلا فالوجه ما تقدم ، وأما كون المستثنى منه هو قوله:"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم"، والمعنى: لكم في إبراهيم أسوة في جميع خصاله إلا في قوله لأبيه:"لأستغفرن لك"فلا أسوة فيه.

ففيه أن قوله:"لكم أسوة حسنة في إبراهيم"إلخ ، غير مسوق لإيجاب التأسي بإبراهيم (عليه السلام) في جميع خصاله حتى يكون الوعد بالاستغفار أو نفس الاستغفار - وذلك من خصاله - مستثنى منها بل إنما سيق لإيجاب التأسي به في تبريه من قومه المشركين ، والوعد بالاستغفار رجاء للتوبة والإيمان ليس من التبري وإن كان ليس توليا أيضا.

وقوله:"و ما أملك لك من الله من شيء"تتمة قول إبراهيم (عليه السلام) ، وهو بيان لحقيقة الأمر من أن سؤاله المغفرة وطلبها من الله ليس من نوع الطلب الذي يملك فيه الطالب من المطلوب منه ما يطلبه ، وإنما هو سؤال يدعو إليه فقر العبودية وذلتها قبال غنى الربوبية وعزتها فله تعالى أن يقبل بوجهه الكريم فيستجيب ويرحم ، وله أن يعرض ويمسك الرحمة فإنه لا يملك أحد منه تعالى شيئا وهو المالك لكل شيء ، قال تعالى:"قل فمن يملك من الله شيئا": المائدة: 17.

وبالجملة قوله:"ما أملك"إلخ ، نوع اعتراف بالعجز استدراكا لما يستشعر من قوله:"لأستغفرن لك"من شائبة إثبات القدرة لنفسه نظير قول شعيب (عليه السلام) :"و ما توفيقي إلا بالله"استدراكا لما يشعر به قوله لقومه:"إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت": هود: 88 ، من إثبات القوة والاستطاعة لنفسه بالأصالة والاستقلال.

وقوله:"ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير"إلخ ، من تمام القول المنقول عن إبراهيم والذين معه المندوب إلى التأسي بهم فيه ، وهو دعاء منهم لربهم وابتهال إليه إثر ما تبرءوا من قومهم ذاك التبري العنيف ليحفظهم من تبعاته ويغفر لهم فلا يخيبهم في إيمانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت