فهرس الكتاب

الصفحة 3988 من 4314

و الجواب أن أمامكم يوما تجازون فيه على معصيتكم وطالح عملكم ومنه موالاة الكفار ولا ينفعكم اليوم أرحامكم ولا أولادكم الذين قدمتم صيانتهم من أذى الكفار على صيانة أنفسكم من عذاب الله بترك موالاة الكفار.

وقوله:"يفصل بينكم"أي يفصل الله يوم القيامة بينكم بتقطع الأسباب الدنيوية كما قال تعالى:"فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ": المؤمنون: 101 ، وذلك أن القرابة وهي انتهاء إنسانين أو أكثر إلى رحم واحدة إنما تؤثر آثارها من الرحمة والمودة والألفة والمعاونة والمعاضدة والعصبية والخدمة وغير ذلك من الآثار في ظرف الحياة الاجتماعية التي تسوق الإنسان إليه حاجته إليها بالطبع بحسب الآراء والعقائد الاعتبارية التي أوجدها فيه فهمه الاجتماعي ، ولا خبر عن هذه الآراء في الخارج عن ظرف الحياة الاجتماعية.

وإذا برزت الحقائق وارتفع الحجاب وانكشف الغطاء يوم القيامة ضلت عن الإنسان هذه الآراء والمزاعم وانقطعت روابط الاستقلال بين الأسباب ومسبباتها كما قال تعالى:"لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون": الأنعام: 94 ، وقال:"و رأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب": البقرة: 166.

فيومئذ تتقطع رابطة الأنساب ولا ينتفع ذو قرابة من قرابته شيئا فلا ينبغي للإنسان أن يخون الله ورسوله بموالاة أعداء الدين لأجل أرحامه وأولاده فليسوا يغنونه عن الله يومئذ.

وقيل: المراد أنه يفرق الله بينكم يوم القيامة بما فيه من الهول الموجب لفرار كل منكم من الآخر حسبما نطق به قوله تعالى:"يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه": عبس: 37 ، والوجه السابق أنسب للمقام.

وقيل: المراد أنه يميز بعضكم يومئذ من بعض فيدخل أهل الإيمان والطاعة الجنة ، وأهل الكفر والمعصية النار ولا يرى القريب المؤمن في الجنة قريبه الكافر في النار.

وفيه أنه وكان لا بأس به في نفسه لكنه غير مناسب للمقام إذ لا دلالة في المقام على كفر أرحامهم وأولادهم.

وقيل: المراد بالفصل فصل القضاء والمعنى: أن الله يقضي بينكم يوم القيامة.

وفيه ما في سابقه من عدم المناسبة للمورد فإن فصل القضاء إنما يناسب الاختلاف كما في قوله تعالى:"إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون": السجدة: 20 ، ولا ارتباط في الآية بذلك.

وقوله:"و الله بما تعملون بصير"متمم لقوله:"لن تنفعكم"كالمؤكد له والمعنى: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة في رفع تبعة هذه الخيانة وأمثالها والله بما تعملون بصير لا يخفى عليه ما هي هذه الخيانة فيؤاخذكم عليها لا محالة.

قوله تعالى:"قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه"إلى آخر الآيتين ، والخطاب للمؤمنين ، والأسوة الاتباع والاقتداء ، وفي قوله:"و الذين معه"بظاهره دلالة على أنه كان معه من آمن به غير زوجته ولوط.

وقوله:"إذ قالوا لقومهم إنا برءآؤا منكم ومما تعبدون من دون الله"أي إنا بريئون منكم ومن أصنامكم بيان لما فيه الأسطورة والاقتداء.

وقوله:"كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده"بيان لمعنى البراءة بأثرها وهو الكفر بهم وعداوتهم ما داموا مشركين حتى يوحدوا الله سبحانه.

والمراد بالكفر بهم الكفر بشركهم بدليل قوله:"حتى تؤمنوا بالله وحده"، والكفر بشركهم مخالفتهم فيه عملا كما أن العداوة بينونة ومخالفة قلبا.

فقد فسروا براءتهم منهم بأمور ثلاثة: مخالفتهم لشركهم عملا ، والعداوة والبغضاء بينهم قلبا ، واستمرار ذلك ما داموا على شركهم إلا أن يؤمنوا بالله وحده.

وقوله:"إلا قول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء"، استثناء مما تدل عليه الجمل المتقدمة أن إبراهيم والذين معه تبرءوا من قومهم المشركين قولا مطلقا.

وقطعوا أي رابطة تربطهم بالقوم وتصل بينهم إلا ما قال إبراهيم لأبيه:"لأستغفرن لك"إلخ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت