فهرس الكتاب

الصفحة 4011 من 4314

و تتبع هذه السنة في نوعها ما عند الإنسان من الرأي في حقيقة الكون العام وحقيقة نفسه وما بينهما من الربط ، ويدل على ذلك ما نجد من اختلاف السنن والطرائق في الأمم باختلاف آرائهم في حقيقة نشأة الوجود والإنسان الذي هو جزء منها.

فمن لا يرى لما وراء المادة وجودا ، ويقصر الوجود في المادي ، وينهي الوجود إلى الاتفاق ، ويرى الإنسان مركبا ماديا محدود الحياة بين التولد والموت لا يرى لنفسه من السعادة إلا سعادة المادة ولا غاية له في أعماله إلا المزايا المادية من مال وولد وجاه وغير ذلك ، ولا بغية له إلا التمتع بأمتعة الدنيا والظفر بلذائذها المادية أو ما يرجع إليها وتنتهي جميعا إلى الموت الذي هو عنده انحلال للتركيب وبطلان.

ومن يرى كينونة العالم عن سبب فوقه منزه عن المادة ، وأن وراء الدار دارا وبعد الدنيا آخرة نجده يخالف في سنته وطريقته الطائفة المتقدم ذكرها فيتوخى في أعماله وراء سعادة الدنيا سعادة الأخرى ويختلف صور أعمالهم وغاياتهم وآراؤهم مع الطائفة الأولى.

ويختلف سنن هؤلاء باختلافهم أنفسهم فيما بينهم كاختلاف سنن الوثنيين من البرهميين والبوذيين وغيرهم والمليين من المجوسية والكليمية والمسيحية والمسلمين فلكل وجهة هو موليها.

وبالجملة الملي يراعي في مساعيه جانب ما يراه لنفسه من الحياة الخالدة المؤبدة ويذعن من الآراء بما يناسب ذلك كادعائه أنه يجب على الإنسان أن يمهد لعالم البقاء وأن يتوجه إلى ربه ، وأن لا يفرط في الاشتغال بعرض الحياة الدنيا الفانية وغير الملي الخاضع للمادة يلوي إلى خلاف ذلك ، هذا كله مما لا ريب فيه.

غير أن الإنسان لما كان بحسب طبعه المادي رهينا للمادة مترددا بين الأسباب الظاهرية فاعلا بها منفعلا عنها لا يزال يدفعه سبب إلى سبب لا فراغ له من ذلك ، يرى - بحسب ما يخيل إليه - أن الأصالة لحياته الدنيوية المنقطعة ، وأنها وما تنتهي إليه من المقاصد والمزايا هي الغاية الأخيرة والغرض الأقصى من وجوده الذي يجب عليه أن يسعى لتحصيل سعادته.

فالحياة الدنيا هي الحياة وما عند أهلها من القنية والنعمة والمنية والقوة والعزة هي هي بحقيقة معنى الكلمة ، وما يعدونه فقرا ونقمة وحرمانا وضعفا وذلة ورزية ومصيبة وخسرانا هي هي وبالجملة كل ما تهواه النفس من خير معجل أو نفع مقطوع فهو عندهم خير مطلق ونفع مطلق ، وكل ما لا تهواه فهو شر أو ضر.

فمن كان منهم من غير أهل الملة جرى على هذه الآراء ولا خبر عنده عما وراء ذلك ، ومن كان منهم من أهل الملة جرى عليها عملا وهو معترف بخلافها قولا فلا يزال في تدافع بين قوله وفعله قال تعالى:"كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا": البقرة: 20.

والذي تندب إليه الدعوة الإسلامية من الاعتقاد والعمل هو ما يطابق مقتضى الفطرة الإنسانية التي فطر عليها الإنسان وتثبت عليه خلقته كما قال:"فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم": الروم: 30.

ومن المعلوم أن الفطرة لا تهتدي علما ولا تميل عملا إلا إلى ما فيه كمالها الواقعي وسعادتها الحقيقية فما تهتدي إليه من الاعتقادات الأصلية في المبدأ والمعاد وما يتفرع عليها من الآراء والعقائد الفرعية علوم وآراء حقة لا تتعدى سعادة الإنسان وكذا ما تميل إليه من الأعمال.

ولذا سمى الله تعالى هذا الدين المبني على الفطرة بدين الحق في مواضع من كلامه كقوله:"هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق": الصف: 9.

وقال في القرآن المتضمن لدعوته:"يهدي إلى الحق": الأحقاف: 30.

وليس الحق إلا الرأي والاعتقاد الذي يطابقه الواقع ويلازمه الرشد من غير غي ، وهذا هو الحكمة - الرأي الذي أحكم في صدقه فلا يتخلله كذب ، وفي نفعه فلا يعقبه ضرر - وقد أشار تعالى إلى اشتمال الدعوة على الحكمة بقوله:"و أنزل الله عليك الكتاب والحكمة": النساء: 113 ، ووصف كلامه المنزل بها فقال:"و القرآن الحكيم": يس: 2 ، وعد رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) معلما للحكمة في مواضع من كلامه كقوله:"و يعلمهم الكتاب والحكمة": الجمعة: 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت