فالتعليم القرآني الذي تصداه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) المبين لما نزل من عند الله من تعليم الحكمة وشأنه بيان ما هو الحق في أصول الاعتقادات الباطلة الخرافية التي دبت في أفهام الناس من تصور عالم الوجود وحقيقة الإنسان الذي هو جزء منه - كما تقدمت الإشارة إليه - وما هو الحق في الاعتقادات الفرعية المترتبة على تلك الأصول مما كان مبدأ للأعمال الإنسانية وعناوين لغاياتها ومقاصدها.
فالناس - مثلا - يرون أن الأصالة لحياتهم المادية حتى قال قائلهم:"ما هي إلا حياتنا الدنيا": الجاثية: 24 ، والقرآن ينبههم بقوله:"و ما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان": العنكبوت: 64 ، ويرون أن العلل والأسباب هي المولدة للحوادث الحاكمة فيها من حياة وموت وصحة ومرض وغنى وفقر ونعمة ونقمة ورزق وحرمان"بل مكر الليل والنهار": سبأ: 33 ، والقرآن يذكرهم بقوله:"ألا له الخلق والأمر": الأعراف: 54 ، وقوله:"إن الحكم إلا لله": يوسف: 67 ، وغير ذلك من آيات الحكمة ، ويرون أن لهم الاستقلال في المشية يفعلون ما يشاءون والقرآن يخطئهم بقوله:"و ما تشاءون إلا أن يشاء الله": الإنسان: 30 ، ويرون أن لهم أن يطيعوا ويعصوا ويهدوا ويهتدوا والقرآن ينبئهم بقوله:"إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء": القصص: 56.
ويرون أن لهم قوة والقرآن ينكر ذلك بقوله:"إن القوة لله جميعا": البقرة: 165.
ويرون أن لهم عزة بمال وبنين وأنصار والقرآن يحكم بخلافه بقوله:"أ يبتغون عندهم العزة إن العزة لله جميعا": النساء: 139.
وقوله:"و لله العزة ولرسوله وللمؤمنين": المنافقون: 8.
ويرون أن القتل في سبيل الله موت وانعدام والقرآن يعده حياة إذ يقول:"و لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون": البقرة: 154 ، إلى غير ذلك من التعاليم القرآنية التي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يدعو بها الناس قال:"ادع إلى سبيل ربك بالحكمة": النحل: 125.
وهي علوم وآراء جمة صورت الحياة الدنيا خلافها في نفوس الناس وزينة فنبه تعالى لها في كتابه وأمر بتعليمها رسوله وندب المؤمنين أن يتواصوا بها كما قال:"إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق": العصر: 3 ، وقال:"يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب": البقرة: 269.
فالقرآن بالحقيقة يقلب الإنسان في قالب من حيث العلم والعمل حديث ويصوغه صوغا جديدا فيحيي حياة لا يتعقبها موت أبدا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى:"استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم": الأنفال: 24 ، وقوله:"أ ومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها": الأنعام: 122.
وقد بينا وجه الحكمة في كل من آياتها عند التعرض لتفسيرها على قدر مجال البحث في الكتاب.
ومما تقدم يتبين فساد قول من قال: إن تفسير القرآن تلاوته ، وإن التعمق في مداليل آيات القرآن من التأويل الممنوع فما أبعده من قول.