قوله تعالى:"قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم"قال الراغب: كل موضع ورد فرض الله عليه ففي الإيجاب الذي أدخله الله فيه ، وما ورد من فرض الله له فهو في أن لا يحظره على نفسه نحو"ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له"وقوله:"قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم".
انتهى.
والتحلة أصلها تحللة على وزن تذكرة وتكرمة مصدر كالتحليل ، قال الراغب: وقوله عز وجل:"قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم"أي بين ما تحل به عقدة أيمانكم من الكفارة.
فالمعنى: قد قدر الله لكم - كأنه قدره نصيبا لهم حيث لم يمنعهم عن حل عقدة اليمين - تحليل أيمانكم بالكفارة والله وليكم الذي يتولى تدبير أموركم بالتشريع والهداية وهو العليم الحكيم.
وفي الآية دلالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كان قد حلف على الترك ، وأمر له بتحلة يمينه.
قوله تعالى:"و إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير"السر هو الحديث الذي تكتمه في نفسك وتخفيه ، والإسرار إفضاؤك الحديث إلى غيرك مع إيصائك بإخفائه ، وضمير"نبأت"لبعض أزواجه ، وضمير"به"للحديث الذي أسره النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إليها ، وضمير"أظهره"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضمير"عليه"لإنبائها به غيرها وإفشائها السر ، وضمير"عرف"وأعرض"للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، وضمير"بعضه"للحديث ، والإشارة بقوله:"هذا"لإنبائها غيره وإفشائها السر."
ومحصل المعنى: وإذ أفضى النبي إلى بعض أزواجه - وهي حفصة بنت عمر بن الخطاب - حديثا وأوصاها بكتمانه فلما أخبرت به غيرها وأفشت السر خلافا لما أوصاها به ، وأعلم الله النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنها نبأت به غيرها وأفشت السر عرف وأعلم بعضه وأعرض عن بعض آخر ، فلما خبرها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالحديث قالت للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : من أنبأك وأخبرك أني نبأت به غيري وأفشيت السر؟ قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) : نبأني وخبرني العليم الخبير وهو الله العليم بالسر والعلانية الخبير بالسرائر.
قوله تعالى:"إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير"أي إن تتوبا إلى الله فقد تحقق منكما ما يستوجب عليكما التوبة وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه ، إلخ.
وقد اتفق النقل على أنهما عائشة وحفصة زوجا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) .
والصغو الميل والمراد به الميل إلى الباطل والخروج عن الاستقامة وقد كان ما كان منهما من إيذائه والتظاهر عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الكبائر وقد قال تعالى:"إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا": الأحزاب: 57 ، وقال:"و الذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم": التوبة: 61.
والتعبير بقلوبكما وإرادة معنى التثنية من الجمع كثير النظير في الاستعمال.
وقوله:"و إن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه"إلخ ، التظاهر التعاون ، وأصل"و إن تظاهرا"وإن تتظاهرا ، وضمير الفصل في قوله:"فإن الله هو مولاه"للدلالة على أن لله سبحانه عناية خاصة به (صلى الله عليه وآله وسلم) ينصره ويتولى أمره من غير واسطة من خلقه ، والمولى الولي الذي يتولى أمره وينصره على من يريده بسوء.
و"جبريل"عطف على لفظ الجلالة ، و"صالح المؤمنين"عطف كجبريل ، والمراد بصالح المؤمنين على ما قيل الصلحاء من المؤمنين فصالح المؤمنين واحد أريد به الجمع كقولك: لا يفعل هذا الصالح من الناس تريد به الجنس كقولك لا يفعله من صلح منه ومثله قولك: كنت في السامر والحاضر.
وفيه قياس المضاف إلى الجمع إلى مدخول اللام فظاهر صالح المؤمنين غير ظاهر"الصالح من المؤمنين".
ووردت الرواية من طرق أهل السنة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ومن طرق الشيعة عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) أن المراد بصالح المؤمنين علي عليه أفضل السلام ، وستوافيك إن شاء الله.
وفي المراد منه أقوال أخر أغمضنا عنها لعدم دليل عليها.