و قوله:"و الملائكة بعد ذلك ظهير"إفراد الخبر للدلالة على أنهم متفقون في نصره متحدون صفا واحدا ، وفي جعلهم بعد ذلك أي بعد ولاية الله وجبريل وصالح المؤمنين تعظيم وتفخيم.
ولحن الآيات في إظهار النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على من يؤذيه ويريده بسوء وتشديد العتاب على من يتظاهر عليه عجيب ، وقد خوطب فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أولا وعوتب على تحريمه ما أحل الله له وأشير عليه بتحلة يمينه وهو إظهار وتأييد وانتصار له وإن كان في صورة العتاب.
ثم التفت من خطابه إلى خطاب المؤمنين في قوله:"و إذ أسر النبي إلى بعض أزواجه"يشير إلى القصة وقد أبهمها إبهاما وقد كان أيد النبي وأظهره قبل الإشارة إلى القصة وإفشائها مختوما عليها ، وفيه مزيد إظهاره.
ثم التفت من خطاب المؤمنين إلى خطابهما وقرر أن قلوبهما قد صغت بما فعلتا ولم يأمرهما أن تتوبا من ذنبهما بل بين لهما أنهما واقعتان بين أمرين إما أن تتوبا وإما أن تظاهرا على من الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك أجمع ثم أظهر الرجاء إن طلقهن أن يرزقه الله نساء خيرا منهن.
ثم أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجاهد الكفار والمنافقين ويغلظ عليهم.
وانتهى الكلام إلى ضربه تعالى مثلين مثلا للذين كفروا ومثلا للذين آمنوا.
وقد أدار تعالى الكلام في السورة بعد التعرض لحالهما بقوله: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه"إلخ ، بين التعرض لحال المؤمنين والتعرض لحال الكفار فقال:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم"إلخ ، و"يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا"إلخ ، وقال:"يا أيها الذين آمنوا توبوا"إلخ ، و"يا أيها النبي جاهد"إلخ ، وقال:"ضرب الله مثلا للذين كفروا"،"و ضرب الله مثلا للذين آمنوا"."
قوله تعالى:"عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن"إلى آخر الآية استغناء إلهي فإنهن وإن كن مشرفات بشرف زوجية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لكن الكرامة عند الله بالتقوى كما قال تعالى:"فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما": الأحزاب: 29 ، انظر إلى مكان"منكن"وقال:"يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما: الأحزاب: 31."
ولذا ساق الاستغناء بترجي إبداله إن طلقهن أزواجا خيرا منهن ، وعلق الخبر بما ذكر لأزواجه الجديدة من صفات الكرامة وهي أن يكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات - أي صائمات - ثيبات وأبكارا.
فمن تزوج بها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وكانت متصفة بمجموع هذه الصفات كانت خيرا منهن وليس إلا لأجل اختصاص منها بالقنوت والتوبة أو القنوت فقط مع مشاركتها لهن في باقي الصفات ، والقنوت هو لزوم الطاعة مع الخضوع.
ويتأيد هذا المعنى بما في مثل مريم الآتي في آخر السورة من ذكر القنوت"و كانت من القانتين"فالقنوت هو الذي يفقدنه وهو لزومهن طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) التي فيها طاعة الله واتقاؤهن أن يعصين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ويؤذينه.
وبما مر يظهر فساد قول من قال إن وجه خيرية أزواجه اللاحقة من أزواجه السابقة إن طلقهن ، هو تزوج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بهن وانفصال الأزواج السابقة وزوجيته (صلى الله عليه وآله وسلم) شرف لا يقدر قدره.
وذلك أنه لو كان ملاك ما ذكر في الآية من الخير هو الزوجية كان كل من تزوج (صلى الله عليه وآله وسلم) من النساء أفضل وأشرف منهن إن طلقهن وإن لم تتلبس بشيء مما ذكر من صفات الكرامة فلم يكن مورد لعد ما عد من الصفات.
قال في الكشاف ،: فإن قلت: لم أخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار؟ قلت: لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات.
انتهى.
قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة"إلخ ،"قوا"أمر من الوقاية بمعنى حفظ الشيء مما يؤذيه ويضره ، والوقود بفتح الواو اسم لما توقد به النار من حطب ونحوه.