فهرس الكتاب

الصفحة 4049 من 4314

و المراد بالنار نار جهنم وكون الناس المعذبين فيها وقودا لها معناه اشتعال الناس فيها بأنفسهم كما في قوله تعالى:"ثم في النار يسجرون": المؤمن: 72.

فيناسب تجسم الأعمال كما هو ظاهر الآية التالية"يا أيها الذين كفروا"إلخ ، وفسرت الحجارة بالأصنام.

وقوله:"عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"أي وكل عليها لإجراء أنواع العذاب على أهلها ملائكة غلاظ شداد.

والغلاظ جمع غليظ ضد الرقيق والأنسب للمقام كون المراد بالغلظة خشونة العمل كما في قوله الآتي:"جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم"الآية 9 من السورة ، والشداد جمع شديد بمعنى القوي في عزمه وفعله.

وقوله:"لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون"كالمفسر لقوله:"غلاظ شداد أي هم ملتزمون بما أمرهم الله من أنواع العذاب لا يعصونه بالمخالفة والرد ويفعلون ما يؤمرون به على ما أمروا به من غير أن يفوت منهم فائت أو ينقص منه شيء لضعف فيهم أو فتور فهم غلاظ شداد."

وبهذا يظهر أن قوله:"لا يعصون الله ما أمرهم"ناظر إلى التزامهم بالتكليف ، وقوله:"و يفعلون"إلخ ، ناظر إلى العمل على طبقه فلا تكرار كما قيل.

قال في التفسير الكبير ، في ذيل الآية: وفيه إشارة إلى أن الملائكة مكلفون في الآخرة بما أمرهم الله تعالى به وبما ينهاهم عنه ، والعصيان منهم مخالفة للأمر والنهي.

وفيه أن الآية وغيرها مما تصف الملائكة بمحض الطاعة من غير معصية مطلقة تشمل الدنيا والآخرة فلا وجه لتخصيص تكليفهم بالآخرة.

ثم إن تكليفهم غير سنخ التكليف المعهود في المجتمع الإنساني بمعنى تعليق المكلف - بالكسر - إرادته بفعل المكلف - بالفتح - تعليقا اعتباريا يستتبع الثواب والعقاب في ظرف الاختيار وإمكان الطاعة والمعصية بل هم خلق من خلق الله لهم ذوات طاهرة نورية لا يريدون إلا ما أراد الله ولا يفعلون إلا ما يؤمرون ، قال تعالى:"بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون": الأنبياء ، 27 ولذلك لا جزاء لهم على أعمالهم من ثواب أو عقاب فهم مكلفون بتكليف تكويني غير تشريعي مختلف باختلاف درجاتهم ، قال تعالى:"و ما منا إلا له مقام معلوم": الصافات: 164 ، وقال عنهم:"و ما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا": مريم: 64.

والآية الكريمة بعد الآيات السابقة كالتعميم بعد التخصيص فإنه تعالى لما أدب نساء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ببيان ما لإيذائهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من الأثر السيىء عمم الخطاب فخاطب المؤمنين عامة أن يؤدبوا أنفسهم وأهليهم ويقوهم من النار التي وقودها نفس الداخلين فيها أي إن أعمالهم السيئة تلزمهم وتعود نارا تعذبهم ولا مخلص لهم منها ولا مناص عنها.

قوله تعالى:"يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون"خطاب عام للكفار بعد ما جوزوا بالنار فإنهم يعتذرون عن كفرهم ومعاصيهم فيخاطبون أن لا تعتذروا اليوم - وهو يوم الجزاء إنما تجزون نفس ما كنتم تعملون أي إن العذاب الذي تعذبون بها هو عملكم السيىء الذي عملتموه وقد برز لكم اليوم حقيقته وإذ عملتموه فقد لزمكم أنكم عملتموه والواقع لا يتغير وما حق عليكم من كلمة العذاب لا يعود باطلا فهذا ظاهر الخطاب.

وقيل: المعنى: لا تعتذروا - اليوم - بعد دخول النار فإن الاعتذار توبة والتوبة غير مقبولة بعد دخول النار إنما تجزون ما لزم في مقابل عملكم من الجزاء في الحكمة.

وفي اتباع الآيات السابقة بما في هذه الآية من خطاب القهر تهديد ضمني وإشعار بأن معصية الله ورسوله ربما أدى إلى الكفر.

قوله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار"إلخ ، النصح تحري فعل أو قول فيه صلاح صاحبه ، ويأتي بمعنى الإخلاص نحو نصحت له الود أي أخلصته - على ما ذكره الراغب - فالتوبة النصوح ما يصرف صاحبه عن العود إلى المعصية أو ما يخلص العبد للرجوع عن الذنب فلا يرجع إلى ما تاب منه.

لما أمر المؤمنين بوقاية أنفسهم وأهليهم من النار أمرهم جميعا ثانيا بالتوبة وفرع عليه رجاء أن يستر الله سيئاتهم ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت