فهرس الكتاب

الصفحة 4068 من 4314

و قيل: المراد بالقلم القلم الأعلى الذي في الحديث أنه أول ما خلق الله وبما يسطرون ما يسطره الحفظة والكرام الكاتبون واحتمل أيضا أن يكون الجمع في"يسطرون"للتعظيم لا للتكثير وهو كما ترى ، واحتمل أن يكون المراد ما يسطرون فيه وهو اللوح المحفوظ واحتمل أن يكون المراد بالقلم وما يسطرون أصحاب القلم ومسطوراتهم وهي احتمالات واهية.

قوله تعالى:"ما أنت بنعمة ربك بمجنون"مقسم عليه والخطاب للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، والباء في"بنعمة"للسببية أو المصاحبة أي ما أنت بمجنون بسبب النعمة - أو مع النعمة - التي أنعمها عليك ربك.

والسياق يؤيد أن المراد بهذه النعمة النبوة فإن دليل النبوة يدفع عن النبي كل اختلال عقلي حتى تستقيم الهداية الإلهية اللازمة في نظام الحياة الإنسانية ، والآية ترد ما رموه به من الجنون كما يحكي عنهم في آخر السورة"و يقولون إنه لمجنون".

وقيل: المراد بالنعمة فصاحته (صلى الله عليه وآله وسلم) وعقله الكامل وسيرته المرضية وبراءته من كل عيب واتصافه بكل مكرمة فظهور هذه الصفات فيه (صلى الله عليه وآله وسلم) ينافي حصول الجنون فيه وما قدمناه أقطع حجة والآية وما يتلوها كما ترى تعزية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وتطييب لنفسه الشريفة وتأييد له كما أن فيها تكذيبا لقولهم.

قوله تعالى:"و إن لك لأجرا غير ممنون"الممنون من المن بمعنى القطع يقال: منه لسير منا إذا قطعه وأضعفه لا من المنة بمعنى تثقيل النعمة قولا.

والمراد بالأجر أجر الرسالة عند الله سبحانه ، وفيه تطييب لنفس النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وأن له على تحمل رسالة الله أجرا غير مقطوع وليس يذهب سدى.

وربما أخذ المن بمعنى ذكر المنعم إنعامه على المنعم عليه بحيث يثقل عليه ويكدر عيشه بتقريب أن ما يعطيه الله أجر في مقابل عمله فهو يستحقه عليه تعالى فلا منه عليه وهو غير سديد فإن كل عامل مملوك لله سبحانه بحقيقة معنى الملك بذاته وصفاته وأعماله فما يعطيه العبد من ذلك فهو موهبة وعطية وما يملكه العبد من ذلك فإنما يملكه بتمليك الله وهو المالك لما ملكه من قبل ومن بعد فهو تفضل منه تعالى ولئن سمى ما يعطيه بإزاء العمل أجرا وسمى ما بينه وبين عبده من مبادلة العمل والأجر معاملة فذلك تفضل آخر فلله سبحانه المنة على جميع خلقه والرسول ومن دونه فيه سواء.

قوله تعالى:"و إنك لعلى خلق عظيم"الخلق هو الملكة النفسانية التي تصدر عنها الأفعال بسهولة وينقسم إلى الفضيلة وهي الممدوحة كالعفة والشجاعة ، والرذيلة وهي المذمومة كالشره والجبن لكنه إذا أطلق فهم منه الخلق الحسن.

قال الراغب: والخلق - بفتح الخاء - والخلق - بضم الخاء - في الأصل واحد كالشرب والشرب والصرم والصرم لكن خص الخلق - بالفتح - بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر ، وخص الخلق - بالضم - بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة قال تعالى:"و إنك لعلى خلق عظيم"انتهى.

والآية وإن كانت في نفسها تمدح حسن خلقه (صلى الله عليه وآله وسلم) وتعظمه غير أنها بالنظر إلى خصوص السياق ناظرة إلى أخلاقه الجميلة الاجتماعية المتعلقة بالمعاشرة كالثبات على الحق والصبر على أذى الناس وجفاء أجلافهم والعفو والإغماض وسعة البذل والرفق والمداراة والتواضع وغير ذلك ، وقد أوردنا في آخر الجزء السادس من الكتاب ما روي في جوامع أخلاقه (صلى الله عليه وآله وسلم) .

ومما تقدم يظهر أن ما قيل: إن المراد بالخلق الدين وهو الإسلام غير مستقيم إلا بالرجوع إلى ما تقدم.

قوله تعالى:"فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون"تقريع على محصل ما تقدم أي فإذا لم تكن مجنونا بل متلبسا بالنبوة ومتخلقا بالخلق ولك عظيم الأجر من ربك فسيظهر أمر دعوتك وينكشف على الأبصار والبصائر من المفتون بالجنون أنت أو المكذبون الرامون لك بالجنون.

وقيل: المراد ظهور عاقبة أمر الدعوة له ولهم في الدنيا أو في الآخرة؟ الآية تقبل الحمل على كل منها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت