فهرس الكتاب

الصفحة 4069 من 4314

و لكل قائل ، ولا مانع من الجمع فإن الله تعالى أظهر نبيه عليهم ودينه على دينهم ، ورفع ذكره (صلى الله عليه وآله وسلم) ومحا أثرهم في الدنيا وسيذوقون وبال أمرهم غدا ويعلمون أن الله هو الحق المبين يوم هم على النار يفتنون ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون.

وقوله:"بأيكم المفتون"الباء زائدة للصلة ، والمفتون اسم مفعول من الفتنة بمعنى الابتلاء يريد به المبتلى بالجنون وفقدان العقل ، والمعنى: فستبصر ويبصرون أيكم المفتون المبتلى بالجنون؟ أنت أم هم؟.

وقيل: المفتون مصدر على زنة مفعول كمعقول وميسور ومعسور في قولهم: ليس له معقول ، وخذ ميسوره ، ودع معسوره ، والباء في"بأيكم"بمعنى في والمعنى: فستبصر ويبصرون في أي الفريقين الفتنة.

قوله تعالى:"إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين"لما أفيد بما تقدم من القول إن هناك ضلالا واهتداء ، وأشير إلى أن الرامين للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجنون هم المفتونون الضالون وسيظهر أمرهم وأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مهتد وكان ذلك ببيان من الله سبحانه أكد ذلك بأن الله أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين لأن السبيل سبيله وهو أعلم بمن هو في سبيله ومن ليس فيه وإليه أمر الهداية.

قوله تعالى:"فلا تطع المكذبين"تفريع على المحصل من معنى الآيات السابقة وفي المكذبين معنى العهد والمراد بالطاعة مطلق الموافقة عملا أو قولا ، والمعنى: فإذا كان هؤلاء المكذبون لك مفتونين ضالين فلا تطعهم.

قوله تعالى:"ودوا لو تدهن فيدهنون"الإدهان من الدهن يراد به التليين أي ود وأحب هؤلاء المكذبون أن تلينهم بالاقتراب منهم في دينك فيلينوك بالاقتراب منك في دينهم ، ومحصله أنهم ودوا أن تصالحهم ويصالحوك على أن يتسامح كل منكم بعض المسامحة في دين الآخر كما قيل: إنهم عرضوا عليه أن يكف عن ذكر آلهتهم فيكفوا عنه وعن ربه.

وبما تقدم ظهر أن متعلق مودتهم مجموع"لو تدهن فيدهنون"وأن الفاء في"فيدهنون"للتفريع لا للسببية.

قوله تعالى:"و لا تطع كل حلاف مهين - إلى قوله - زنيم"الحلاف كثير الحلف ، ولازم كثرة الحلف والإقسام في كل يسير وخطير وحق وباطل أن لا يحترم الحالف شيئا مما يقسم به ، وإذا كان حلفه بالله فهو لا يستشعر عظمة الله عز اسمه وكفى به رذيلة.

والمهين من المهانة بمعنى الحقارة والمراد به حقارة الرأي ، وقيل: هو المكثار في الشر ، وقيل: هو الكذاب.

والهماز مبالغة من الهمز والمراد به العياب والطعان ، وقيل: الطعان بالعين والإشارة وقيل: كثير الاغتياب.

والمشاء بنميم النميم: السعاية والإفساد ، والمشاء به هو نقال الحديث من قوم إلى قوم على وجه الإفساد بينهم.

والمناع للخير كثير المنع لفعل الخير أو للخير الذي ينال أهله.

والمعتدي من الاعتداء وهو المجاوزة للحد ظلما.

والأثيم هو الذي كثر إثمه حتى استقر فيه من غير زوال والإثم هو العمل السيىء الذي يبطيء الخير.

والعتل بضمتين هو الفظ الغليظ الطبع ، وفسر بالفاحش السيىء الخلق ، وبالجافي الشديد الخصومة بالباطل ، وبالأكول المنوع للغير ، وبالذي يعتل الناس ويجرهم إلى حبس أو عذاب.

والزنيم هو الذي لا أصل له ، وقيل: هو الدعي الملحق بقوم وليس منهم ، وقيل: هو المعروف باللؤم ، وقيل: هو الذي له علامة في الشر يعرف بها وإذا ذكر الشر سبق هو إلى الذهن ، والمعاني متقاربة.

فهذه صفات تسع رذيلة وصف الله بها بعض أعداء الدين ممن كان يدعو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الطاعة والمداهنة ، وهي جماع الرذائل.

وقوله:"عتل بعد ذلك زنيم"معناه أنه بعد ما ذكر من مثالبه ورذائله عتل زنيم قيل: وفيه دلالة على أن هاتين الرذيلتين أشد معايبه.

والظاهر أن فيه إشارة إلى أن له خبائث من الصفات لا ينبغي معها أن يطاع في أمر الحق ولو أغمض عن تلك الصفات فإنه فظ خشن الطبع لا أصل له لا ينبغي أن يعبأ بمثله في مجتمع بشري فليطرد ولا يطع في قول ولا يتبع في فعل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت