فهرس الكتاب

الصفحة 4070 من 4314

قوله تعالى:"أن كان ذا مال وبنين"الظاهر أنه بتقدير لام التعليل وهو متعلق بفعل محصل من مجموع الصفات الرذيلة المذكورة أي هو يفعل كذا وكذا لأن كان ذا مال وبنين فبطر بذلك وكفر بنعمة الله وتلبس بكل رذيلة خبيثة بدل أن يشكر الله على نعمته ويصلح نفسه ، فالآية في إفادة الذم والتهكم تجري مجرى قوله:"أ لم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك".

وقيل: إنه متعلق بقوله السابق"لا تطع"، والمعنى: لا تطعه لكونه ذا مال وبنين أي لا يحملك كونه ذا مال وبنين على طاعته ، والمعنى المتقدم أقرب وأوسع.

قيل: ولا يجوز تعلقه بقوله:"قال"في الشرطية التالية لأن ما بعد الشرط لا يعمل فيما قبله عند النحاة.

قوله تعالى:"إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين"الأساطير جمع أسطورة وهي القصة الخرافية ، والآية تجري مجرى التعليل لقوله السابق:"لا تطع".

قوله تعالى:"سنسمه على الخرطوم"الوسم والسمة وضع العلامة ، والخرطوم الأنف ، وقيل: إن في إطلاق الخرطوم على أنفه وإنما يطلق في الفيل والخنزير تهكما ، وفي الآية وعيد على عداوته الشديدة لله ورسوله وما نزله على رسوله.

والظاهر أن الوسم على الأنف أريد به نهاية إذلاله بذلة ظاهرة يعرفه بها كل من رآه فإن الأنف مما يظهر فيه العزة والذلة كما يقال: شمخ فلان بأنفه وحمي فلان أنفه وأرغمت أنفه وجدع أنفه.

والظاهر أن الوسم على الخرطوم مما سيقع يوم القيامة لا في الدنيا وإن تكلف بعضهم في توجيه حمله على فضاحته في الدنيا.

قوله تعالى:"إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة - إلى قوله - كالصريم البلاء الاختبار وإصابة المصيبة ، والصرم قطع الثمار من الأشجار ، والاستثناء عزل البعض من حكم الكل وأيضا الاستثناء قول إن شاء الله عند القطع بقول وذلك أن الأصل فيه الاستثناء فالأصل في قولك: أخرج غدا إن شاء الله هو أخرج غدا إلا أن يشاء الله أن لا أخرج ، والطائف العذاب الذي يأتي بالليل ، والصريم الشجر المقطوع ثمره ، وقيل: الليل الأسود ، وقيل: الرمل المقطوع من سائر الرمل وهو لا ينبت شيئا ولا يفيد فائدة."

الآيات أعني قوله:"إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة"إلى تمام سبع عشرة آية وعيد لمكذبي النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الرامين له بالجنون ، وفي التشبيه والتنظير دلالة على أن هؤلاء المكذبين معذبون لا محالة والعذاب الواقع عليهم قائم على ساقه ، غير أنهم غافلون وسيعلمون ، فهم مولعون اليوم بجمع المال وتكثير البنين مستكبرون بها معتمدون عليها وعلى سائر الأسباب الظاهرية التي توافقهم وتشايع أهواءهم من غير أن يشكروا ربهم على هذه النعم ويسلكوا سبيل الحق ويعبدوا ربهم حتى يأتيهم الأجل ويفاجئهم عذاب الآخرة أو عذاب دنيوي من عنده كما فاجأهم يوم بدر فيروا انقطاع الأسباب عنهم وأن المال والبنين سدى لا ينفعهم شيئا كما شاهد نظير ذلك أصحاب الجنة من جنتهم وسيندمون على صنيعهم ويرغبون إلى ربهم ولا يرد ذلك عذاب الله كما ندم أصحاب الجنة وتلاوموا ورغبوا إلى ربهم فلم ينفعهم ذلك شيئا كذلك العذاب ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ، هذا على تقدير اتصال الآيات بما قبلها ونزولها معها.

وأما على ما رووا أن الآيات نزلت في القحط والسنة الذي أصاب أهل مكة وقريشا إثر دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) عليهم بقوله: اللهم اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف ، فالمراد بالبلاء إصابتهم بالقحط وتناظر قصتهم قصة أصحاب الجنة غير أن في انطباق ما في آخر قصتهم من قوله:"فأقبل بعضهم على بعض"إلخ ، على قصة أهل مكة خفاء.

وكيف كان فالمعنى:"إنا بلوناهم"أصبناهم بالبلية"كما بلونا"وأصبنا بالبلية"أصحاب الجنة"وكانوا قوما من اليمن وجنتهم فيها وسيأتي إن شاء الله قصتهم في البحث الروائي الآتي"إذ"ظرف لبلونا"أقسموا"وحلفوا"ليصرمنها"أي ليقطعن ويقطفن ثمار جنتهم"مصبحين"داخلين في الصباح وكأنهم ائتمروا وتشاوروا ليلا فعزموا على الصرم صبيحة ليلتهم"و لا يستثنون"لم يقولوا إلا أن يشاء الله اعتمادا على أنفسهم واتكاء على ظاهر الأسباب.

أو المعنى: قالوا وهم لا يعزلون نصيبا من ثمارهم للفقراء والمساكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت