و المراد بالإسلام تسليم الأمر لله فلا يتبع إلا ما أراده سبحانه من فعل أو ترك يقابله الإجرام وهو اكتساب السيئة وعدم التسليم.
والآية وما بعدها إلى قوله:"أم عندهم الغيب فهم يكتبون"في مقام الرد لحكمهم بتساوي المجرمين والمسلمين حالا يوم القيامة تورد محتملات هذا الحكم من حيث منشئه في صور استفهامات إنكارية وتردها.
وتقرير الحجة: أن كون المجرمين كالمسلمين يوم القيامة على ما حكموا به إما أن يكون من الله تعالى موهبة ورحمة وإما أن لا يكون منه.
والأول إما أن يدل عليه دليل العقل ولا دليل عليه كذلك وذلك قوله:"ما لكم كيف تحكمون".
وإما أن يدل عليه النقل وليس كذلك وهو قوله:"أم لكم كتاب"إلخ ، وإما أن يكون لا لدلالة عقل أو نقل بل عن مشافهة بينهم وبين الله سبحانه عاهدوه وواثقوه على أن يسوي بينهما وليس كذلك فهذه ثلاثة احتمالات.
وإما أن لا يكون من الله فإما أن يكون حكمهم بالتساوي حكما جديا أو لا يكون فإن كان جديا فإما أن يكون التساوي الذي يحكمون به مستندا إلى أنفسهم بأن يكون لهم قدرة على أن يصيروا يوم القيامة كالمسلمين حالا وإن لم يشأ الله ذلك وليس كذلك وهو قوله:"سلهم أيهم بذلك زعيم"أو يكون القائم بهذا الأمر المتصدي له شركاؤهم ولا شركاء وهو قوله:"أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم"إلخ.
وإما أن يكون ذلك لأن الغيب عندهم والأمور التي ستستقبل الناس قدرها وقضاؤها منوطان بمشيتهم تكون وتقع كيف يكتبون فكتبوا لأنفسهم المساواة مع المسلمين ، وليس كذلك ولا سبيل لهم إلى الغيب وذلك قوله:"أم عندهم الغيب فهم يكتبون"وهذه ثلاثة احتمالات.
وإن لم يكن حكمهم بالمساواة حكما جديا بل إنما تفوهوا بهذا القول تخلصا وفرارا من اتباعك على دعوتك لأنك تسألهم أجرا على رسالتك وهدايتك لهم إلى الحق فهم مثقلون من غرامته ، وليس كذلك ، وهو قوله:"أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون"وهذا سابع الاحتمالات.
هذا ما يعطيه التدبر في الآيات في وجه ضبط ما فيها من الترديد وقد ذكروا في وجه الضبط غير ذلك من أراد الوقوف عليه فليراجع المطولات.
فقوله:"ما لكم كيف تحكمون"مسوق للتعجب من حكمهم بكون المجرمين يوم القيامة كالمسلمين ، وهو إشارة إلى تأبي العقل عن تجويز التساوي ، ومحصله نفي حكم العقل بذلك إذ معناه: أي شيء حصل لكم من اختلال الفكر وفساد الرأي حتى حكمتم بذلك؟.
قوله تعالى:"أم لكم كتاب فيه تدرسون إن لكم فيه لما تخيرون"إشارة إلى انتفاء الحجة على حكمهم بالتساوي من جهة السمع كما أن الآية السابقة كانت إشارة إلى انتفائها من جهة العقل.
والمراد بالكتاب الكتاب السماوي النازل من عند الله وهو حجة ، ودرس الكتاب قراءته ، والتخير الاختيار ، وقوله:"إن لكم فيه لما تخيرون"في مقام المفعول لتدرسون والاستفهام إنكاري.
والمعنى: بل أ لكم كتاب سماوي تقرءون فيه أن لكم في الآخرة - أو مطلقا - لما تختارونه فاخترتم السعادة والجنة.
قوله تعالى:"أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون"إشارة إلى انتفاء أن يملكوا الحكم بعهد ويمين شفاهي لهم على الله سبحانه.
والأيمان جمع يمين وهو القسم ، والبلوغ هو الانتهاء في الكمال فالأيمان البالغة هي المؤكدة نهاية التوكيد ، وقوله:"إلى يوم القيامة"على هذا ظرف مستقر متعلق بمقدر والتقدير: أم لكم علينا أيمان كائنة إلى يوم القيامة مؤكدة نهاية التوكيد ، إلخ.
ويمكن أن يكون"إلى يوم القيامة"متعلقا ببالغة والمراد ببلوغ الأيمان انطباقها على امتداد الزمان حتى ينتهي إلى يوم القيامة.
وقد فسروا الإيمان بالعهود والمواثيق فيكون من باب إطلاق اللازم وإرادة الملزوم كناية ، واحتمل أن يكون من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل.
وقوله:"إن لكم لما تحكمون"جواب القسم وهو المعاهد عليه ، والاستفهام للإنكار.
والمعنى: بل أ لكم علينا عهود أقسمنا فيها أقساما مؤكدا إلى يوم القيامة إنا سلمنا لكم أن لكم لما تحكمون به.