و الاستدراج هو استنزالهم درجة فدرجة حتى يتم لهم الشقاء فيقعوا في ورطة الهلاك وذلك بأن يؤتيهم الله نعمة بعد نعمة وكلما أوتوا نعمة اشتغلوا بها وفرطوا في شكرها وزادوا نسيانا له وابتعدوا عن ذكره.
فالاستدراج إيتاؤهم النعمة بعد النعمة الموجب لنزولهم درجة بعد درجة واقترابهم من ورطة الهلاك ، وكونه من حيث لا يعلمون إنما هو لكونه من طريق النعمة التي يحسبونها خيرا وسعادة لا شر فيها ولا شقاء.
قوله تعالى:"و أملي لهم إن كيدي متين"الإملاء الإمهال ، والكيد ضرب من الاحتيال ، والمتين القوي.
والمعنى: وأمهلهم حتى يتوسعوا في نعمنا بالمعاصي كما يشاءون إن كيدي قوي.
والنكتة في الالتفات الذي في"سنستدرجهم"عن التكلم وحده إلى التكلم مع الغير الدالة على العظمة وأن هناك موكلين على هذه النعم التي تصب عليهم صبا ، والالتفات في قوله:"و أملي لهم"عن التكلم مع الغير إلى التكلم وحده لأن الإملاء تأخير في الأجل ولم ينسب أمر الأجل في القرآن إلى غير الله سبحانه قال تعالى:"ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده": الأنعام: 2.
قوله تعالى:"أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون"المغرم الغرامة ، والإثقال تحميل الثقل ، والجملة معطوفة على قوله:"أم لهم شركاء"إلخ.
والمعنى: أم تسأل هؤلاء المجرمين - الذين يحكمون بتساوي المجرمين والمسلمين يوم القيامة - أجرا على دعوتك فهم من غرامة تحملها عليهم مثقلون فيواجهونك بمثل هذا القول تخلصا من الغرامة دون أن يكون ذلك منهم قولا جديا.
قوله تعالى:"أم عندهم الغيب فهم يكتبون"ظاهر السياق أن يكون المراد بالغيب غيب الأشياء الذي منه تنزل الأمور بقدر محدود فتستقر في منصة الظهور ، والمراد بالكتابة على هذا هو التقدير والقضاء ، والمراد بكون الغيب عندهم تسلطهم عليه وملكهم له.
فالمعنى: أم بيدهم أمر القدر والقضاء فهم يقضون كما شاءوا فيقضون لأنفسهم أن يساووا المسلمين يوم القيامة.
وقيل: المراد بكون الغيب عندهم علمهم بصحة ما حكموا به والكتابة على ظاهر معناه والمعنى: أم عندهم علم بصحة ما يدعونه اختصوا به ولا يعلمه غيرهم فهم يكتبونه ويتوارثونه وينبغي أن يبرزوه.
وهو بعيد بل مستدرك والاحتمالات الأخر المذكورة مغنية عنه.
وإنما أخر ذكر هذا الاحتمال عن غيره حتى عن قوله:"أم تسئلهم أجرا"مع أن مقتضى الظاهر أن يتقدم عليه ، لكونه أضعف الاحتمالات وأبعدها.
قوله تعالى:"فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم"صاحب الحوت يونس النبي (عليه السلام) والمكظوم من كظم الغيظ إذا تجرعه ولذا فسر بالمختنق بالغم حيث لا يجد لغيظه شفاء ، ونهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) عن أن يكون كيونس (عليه السلام) وهو في زمن النداء مملوء بالغم نهي عن السبب المؤدي إلى نظير هذا الابتلاء وهو ضيق الصدر والاستعجال بالعذاب.
والمعنى: فاصبر لقاء ربك أن يستدرجهم ويملىء لهم ولا تستعجل لهم العذاب لكفرهم ولا تكن كيونس فتكون مثله وهو مملوء غما أو غيظا ينادي بالتسبيح والاعتراف بالظلم أي فاصبر واحذر أن تبتلي بما يشبه ابتلاءه ، ونداؤه قوله في بطن الحوت:"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"كما في سورة الأنبياء.
وقيل: اللام في"لحكم ربك"بمعنى إلى وفيه تهديد لقومه ووعيد لهم أن سيحكم الله بينه وبينهم ، والوجه المتقدم أنسب لسياق الآيات السابقة.
قوله تعالى:"لو لا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو مذموم"في مقام التعليل للنهي السابق:"لا تكن كصاحب الحوت"والتدارك الإدراك واللحوق ، وفسرت النعمة بقبول التوبة ، والنبذ الطرح ، والعراء الأرض غير المستورة بسقف أو نبات ، والذم مقابل المدح.
والمعنى: لو لا أن أدركته ولحقت به نعمة من ربه وهو أن الله قبل توبته لطرح بالأرض العراء وهو مذموم بما فعل.
لا يقال: إن الآية تنافي قوله تعالى:"فلو لا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون": الصافات: 144 ، فإن مدلوله أن مقتضى عمله أن يلبث في بطنه إلى يوم القيامة ومقتضى هذه الآية أن مقتضاه أن يطرح في الأرض العراء مذموما وهما تبعتان متنافيتان لا تجتمعان.