قوله تعالى:"للكافرين ليس له دافع"للكافرين متعلق بعذاب وصفة له ، وكذا قوله:"ليس له دافع"وقد مرت الإشارة إلى معنى الآية.
قوله تعالى:"من الله ذي المعارج"الجار والمجرور متعلق بقوله:"دافع"أي ليس له دافع من جانب الله ومن المعلوم أنه لو اندفع لم يندفع إلا من جانب الله سبحانه ، ومن المحتمل أن يتعلق بقوله:"بعذاب".
والمعارج جمع معرج وفسروه بالمصاعد وهي الدرجات وهي مقامات الملكوت التي يعرج إليها الملائكة عند رجوعهم إلى الله سبحانه على ما يفسره قوله بعد:"تعرج الملائكة والروح إليه في يوم"إلخ فله سبحانه معارج الملكوت ومقاماتها المترتبة علوا وشرفا التي تعرج فيها الملائكة والروح بحسب قربهم من الله وليست بمقامات وهمية اعتبارية.
وقيل: المراد بالمعارج الدرجات التي يصعد فيها الاعتقاد الحق والعمل الصالح قال تعالى:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه": الفاطر 10 ، وقال:"و لكن يناله التقوى منكم": الحج: 37.
وقيل: المراد به مقامات القرب التي يعرج إليها المؤمنون بالإيمان والعمل الصالح قال تعالى:"هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون": آل عمران: 163 وقال:"لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم": الأنفال: 4 وقال:"رفيع الدرجات ذو العرش": المؤمن: 15.
والحق أن مآل الوجهين إلى الوجه الأول ، والدرجات المذكورة حقيقية ليست بالوهمية الاعتبارية.
قوله تعالى:"تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة"المراد بهذا اليوم يوم القيامة على ما يفيده سياق الآيات التالية.
والمراد بكون مقدار هذا اليوم خمسين ألف سنة على ما ذكروا أنه بحيث لو وقع في الدنيا وانطبق على الزمان الجاري فيها كان مقداره من الزمان خمسين ألف سنة من سني الدنيا والمراد بعروج الملائكة والروح إليه يومئذ رجوعهم إليه تعالى عند رجوع الكل إليه فإن يوم القيامة يوم بروز سقوط الوسائط وتقطع الأسباب وارتفاع الروابط بينها وبين مسبباتها والملائكة وسائط موكلة على أمور العالم وحوادث الكون فإذا تقطعت الأسباب عن مسبباتها وزيل الله بينهم ورجع الكل إلى الله عز اسمه رجعوا إليه وعرجوا معارجهم فحفوا من حول عرش ربهم وصفوا قال تعالى:"و ترى الملائكة حافين من حول العرش": الزمر - 75 ، وقال:"يوم يقوم الروح والملائكة صفا": النبأ: 38.
والظاهر أن المراد بالروح الروح الذي هو من أمره تعالى كما قال:"قل الروح من أمر ربي": إسراء: 85 وهو غير الملائكة كما هو ظاهر قوله تعالى:"ينزل الملائكة بالروح من أمره": النحل: 2.
فلا يعبأ بما قيل: إن المراد بالروح جبرئيل وإن أطلق عليه الروح الأمين وروح القدس في قوله:"نزل به الروح الأمين على قلبك": الشعراء: 194 وقوله:"قل نزله روح القدس من ربك": النحل: 103 فإن المقيد غير المطلق.
قوله تعالى:"فاصبر صبرا جميلا"لما كان سؤال السائل للعذاب عن تعنت واستكبار وهو مما يشق تحمله أمر نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر ووصفه بالجميل - والجميل من الصبر ما ليس فيه شائبة الجزع والشكوى ، وعلله بأن اليوم بما فيه من العذاب قريب.
قوله تعالى:"إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا"ضميرا"يرونه"و"نراه"للعذاب أو ليوم القيامة بما فيه من العذاب الواقع ويؤيد الأول قوله فيما بعد:"يوم تكون السماء كالمهل"إلخ.
والمراد بالرؤية الاعتقاد بنوع من العناية المجازية ورؤيتهم ذلك بعيدا ظنهم أنه بعيد من الإمكان فإن سؤال العذاب من الله سبحانه استكبارا عن دينه وردا لحكمه لا يجامع الإيمان بالمعاد وإن تفوه به السائل ، ورؤيته تعالى ذلك قريبا علمه بتحققه وكل ما هو آت قريب.
وفي الآيتين تعليل أمره (صلى الله عليه وآله وسلم) بالصبر الجميل فإن تحمل الأذى والصبر على المكاره يهون على الإنسان إذا استيقن أن الفرج قريب وتذكر ذلك فالكلام في معنى قولنا فاصبر على تعنتهم واستكبارهم في سؤالهم العذاب صبرا جميلا لا يشوبه جزع وشكوى فأنا نعلم أن العذاب قريب على خلاف ما يستبعدونه ، وعلمنا لا يتخلف عن الواقع بل هو نفس الواقع.
قوله تعالى:"يوم تكون السماء كالمهل"المهل المذاب من المعدنيات كالنحاس والذهب وغيرهما ، وقيل: دردي الزيت ، وقيل: عكر القطران.